اقتصاد

مزارعو بيت لاهيا يعيدون الحياة إلى أراضيهم رغم آثار الحرب

في الأراضي الزراعية التي نجت من امتداد “الخط الأصفر” في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، يحاول المزارعون استعادة ما دمرته الحرب، وإعادة الحياة إلى مساحات تحولت إلى أراضٍ قاحلة بعد تجريفها وتضررها.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن نحو 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية داخل حدود الخط الأصفر تعرضت للدمار، بينما بقيت مساحات أخرى قابلة للاستصلاح، فعاد أصحابها إليها محاولين استئناف الزراعة بما توفر لديهم من إمكانات محدودة.

ولا يملك المزارعون في كثير من الحالات سوى أدوات بسيطة وأيديهم، لكنهم بدأوا بإزالة الركام وتسوية الأراضي وتجهيزها لاستقبال المحاصيل، رغم استمرار المخاطر التي تحيط بالمناطق القريبة من الخط الأصفر.

إطلاق نار يرافق العمل في الحقول

في منطقة أصلان، حيث تنتشر مساحات زراعية واسعة بالقرب من الخط الأصفر، يواجه المزارعون ظروفا بالغة الصعوبة أثناء عملهم اليومي.

وخلال جولة في المنطقة، تعرض المزارعون لإطلاق نار من آليات متمركزة قرب الخط الأصفر بجوار دوار العطاطرة، ما دفعهم إلى الاحتماء بالأرض حتى توقف إطلاق النار، قبل أن يعودوا إلى أعمالهم الزراعية.

وأصبح هذا المشهد جزءا من حياة عائلات فلسطينية عادت إلى أراضيها منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، رغم استمرار المخاطر المحيطة بها.

وكان المزارع أحمد مجدي طنبورة من بين الذين عادوا إلى أرضهم، لكنه فوجئ بحجم الدمار الذي غيّر ملامح المكان بصورة كبيرة.

ويقول إن المنطقة كانت تضم في السابق واحدا من أكبر مشاتل الورود في قطاع غزة، إلى جانب مزارع كبيرة للحيوانات وأشجار كثيفة، واصفا المكان قبل الحرب بأنه كان أشبه بالجنة.

لكن الحرب حولت الأرض إلى مساحة رملية غير مستوية، واختفت معالمها تحت الركام والحجارة وآثار القصف والتجريف. لذلك كان على المزارعين إعادة تأهيل الأرض نفسها قبل التفكير في زراعتها مجددا.

40 يوما لاستعادة الأرض

احتاج أحمد طنبورة إلى نحو 40 يوما من العمل لتنظيف أرضه وإزالة ما خلفته الحرب، حتى أصبحت قادرة على استقبال الشتلات من جديد.

لكن استصلاح الأرض لم يكن سوى الخطوة الأولى، إذ واجه المزارع مشكلة أخرى تتعلق بتوفير البذور والمستلزمات الزراعية.

ويقول طنبورة إن منع إدخال البذور والمستلزمات الزراعية أدى إلى ارتفاع أسعار المتوفر منها في الأسواق، ما اضطره إلى شراء كميات بأسعار مرتفعة من التجار الذين كان يتعامل معهم قبل الحرب.

ولم تنجح جميع البذور التي اشتراها في الإنبات، لكنه واصل المحاولة ولم يتوقف عن إعادة زراعة الأرض.

ومع مرور الوقت، بدأت المحاصيل بالنمو، واستعادت الأرض جزءا من مظهرها السابق. ويشير طنبورة إلى أن بعض النباتات تجاوز ارتفاعها مترا، بينما يواصل اختبار التربة لمعرفة المحاصيل الأكثر قدرة على النمو فيها.

ويقول إن بذور الباذنجان الهجين التي تمكن من الحصول عليها جاءت بعد معاناة وكلفة مرتفعة، مؤكدا أن نتائج الزراعة لا تزال متفاوتة، إذ تنجح بعض المحاصيل بينما تفشل أخرى.

ورغم أن تكاليف الإنتاج قد لا تحقق له عائدا ماليا كبيرا، فإنه لا يعتبر ذلك خسارة، لأن عودته إلى أرضه وإعادة الحياة إليها تمثل بالنسبة إليه قيمة تتجاوز الأرباح.

الزراعة بوسائل بدائية

ويواجه المزارع السبعيني أبو أسامة طنبورة تحديا مختلفا يتمثل في توفير المياه اللازمة لري المحاصيل.

فمع غياب شبكة مياه مناسبة، أنشأ بركة صغيرة باستخدام الشوادر البلاستيكية، ووصلها بخط يأتي من بئر خارجية، ثم يعتمد على دلو لري النباتات واحدة تلو الأخرى.

ويقول إن نقص المياه جعل العمل الزراعي أكثر صعوبة، فضلا عن اضطراره إلى شراء الوقود لتشغيل المضخة ونقل المياه إلى أرضه.

ويستعيد أبو أسامة صورة الأرض قبل الحرب، حين كانت مزروعة بأشجار الفاكهة والفراولة والحمضيات والورود، وكانت أنظمة الرش تتولى عملية الري، ما كان يسمح له بإيصال المياه إلى المحاصيل بمجرد فتح صمام المياه.

وتعود علاقة أبو أسامة بالزراعة إلى طفولته، إذ بدأ العمل فيها منذ كان في الخامسة من عمره، عندما كان يرافق أجداده إلى أراضي العائلة في بيت لاهيا.

وبينما تحاول الأراضي الزراعية في المنطقة استعادة إنتاجها تدريجيا، يواصل المزارعون العمل وسط نقص البذور والمياه والمستلزمات، واضعين استعادة أراضيهم وإعادتها إلى دائرة الإنتاج هدفا أساسيا بعد ما خلفته الحرب من دمار واسع.

زر الذهاب إلى الأعلى