السودان وذاكرة المجاعات.. أزمات متكررة تتخذ اليوم وجها أكثر ارتباطا بالحرب

يستعيد السودان اليوم صفحات مؤلمة من تاريخه مع المجاعات، في ظل أزمة غذائية واسعة تفاقمت مع استمرار الحرب، وسط مخاوف من تكرار كوارث إنسانية خلفت على مدى قرون أعدادا كبيرة من الضحايا، وأدت إلى انتشار الأمراض والنزوح وتغيرات عميقة في التركيبة السكانية.
ورغم محدودية السجلات التاريخية التي توثق المجاعات التي شهدها السودان قبل القرن العشرين، فإن الروايات الشعبية احتفظت بتفاصيل كثيرة عن آثار تلك الأزمات، بما في ذلك الوفيات الناجمة عن الجوع والأوبئة، ونزوح السكان وهجراتهم، فضلا عن الخسائر التي لحقت بالثروة الحيوانية والمحاصيل.
مجاعة 1684 وبدايات الأزمات الكبرى
تعد مجاعة عام 1684، التي وقعت خلال فترة حكم مملكة الفونج، من أقدم المجاعات التي وردت بشأنها روايات تاريخية، واستمرت نحو أربع سنوات وشملت مناطق واسعة من وسط السودان.
وتسببت قلة الحبوب وارتفاع أسعارها في تفاقم معاناة السكان، ودفع الجوع أعدادا كبيرة منهم إلى النزوح، في حين اضطر بعضهم إلى تناول لحوم الحيوانات التي لم تكن ضمن مصادر الغذاء المعتادة. وتزامنت تلك الأزمة مع انتشار وباء الجدري، الذي أوقع بدوره أعدادا كبيرة من الضحايا.
وبعد عقود، شهد وسط السودان مجاعة جديدة عام 1750، تزامنت كذلك مع انتشار واسع للجدري، الأمر الذي انعكس على النشاط الزراعي وأعاق المزارعين عن مواصلة أعمالهم.
أما بين عامي 1835 و1838، فقد تعرضت مناطق واسعة من وسط البلاد لمجاعة أخرى خلال فترة الحكم المصري العثماني، وكان الجفاف الشديد أحد أبرز أسبابها، نتيجة تراجع الأمطار وانخفاض منسوب النيل وجفاف عدد من الأودية.
“مجاعة سنة ستة”.. كارثة تركت أثرا ديمغرافيا
من أكثر المجاعات رسوخا في الذاكرة الشعبية السودانية ما يعرف بـ”مجاعة سنة ستة”، التي وقعت عامي 1888 و1889، خلال عهد الخليفة عبد الله التعايشي.
ولم تكن الأزمة نتيجة عامل واحد، بل تداخلت فيها ظروف مناخية واقتصادية وسياسية واجتماعية. فقد أدى ضعف الأمطار والحرب إلى تراجع الإنتاج الزراعي، بالتزامن مع انخفاض منسوب النيل، قبل أن يؤدي انتشار الجراد إلى القضاء على مساحات واسعة من المحاصيل.
ومع اتساع رقعة الجوع، غادر عدد كبير من السكان مناطقهم بحثا عن مصادر للغذاء، بينما تتحدث روايات متوارثة عن أسر أغلقت أبواب منازلها ومات أفرادها جوعا خشية اللجوء إلى التسول.
وتشير تقديرات ودراسات تاريخية إلى أن المجاعة وما رافقها من أوبئة تسببت في وفاة أكثر من 1.5 مليون شخص، كما ألحقت خسائر كبيرة بالثروة الحيوانية، وتركت آثارا امتدت إلى البنية السكانية والاجتماعية للمجتمع السوداني.
أزمات خلال الحقبة الاستعمارية
لم تتوقف المجاعات بعد ذلك، إذ شهد السودان أزمات غذائية متكررة خلال عامي 1920 و1921، ارتبطت بتراجع الأمطار والجفاف ونقص المياه وتدهور الغطاء النباتي في مناطق من حزام الساحل الأفريقي.
وفي الذاكرة الشعبية، ارتبطت تلك المرحلة أيضا بطريقة تعامل الإدارة الاستعمارية مع عمليات توزيع المساعدات، التي استخدمت خلالها أساليب قسرية لتنظيم وصول الإغاثة إلى المتضررين.
كما شهدت البلاد مجاعتين خلال عامي 1940-1941 و1949-1950، طالتا مناطق في الوسط والشرق والغرب، وأوقعتا خسائر في الأرواح والثروة الحيوانية، ما دفع السلطات الاستعمارية إلى استيراد الذرة من الهند والفول من مصر لتوفير الغذاء للسكان المتضررين.
من جفاف السبعينيات إلى أزمة الثمانينيات
وخلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 1974، شهد غرب السودان وشرقه ووسطه تراجعا كبيرا في معدلات الأمطار، انعكس على إنتاج الحبوب وأسعارها، ودفع أعدادا من السكان إلى الانتقال نحو المدن بحثا عن الغذاء والعمل.
وفي عام 1984، دخل السودان واحدة من أكثر مراحله الغذائية قسوة، في ظل موجة جفاف شديدة ضربت مناطق واسعة من شرق أفريقيا، وتزامنت داخل البلاد مع أزمة اقتصادية ومشكلات في إدارة وتوزيع المواد الغذائية.
وتراجع إنتاج الذرة إلى مستويات قياسية، فيما خسر الرعاة في مناطق من شرق وغرب البلاد نسبة كبيرة من ثروتهم الحيوانية قدرت بنحو 86%. كما تأثر نحو 2.8 مليون شخص في دارفور وحوالي 1.2 مليون في كردفان.
وأدت تلك الظروف إلى موجات نزوح واسعة من غرب السودان باتجاه الخرطوم ومناطق أخرى، وأسهمت في إحداث تغيرات طويلة الأمد في الخريطة السكانية والاجتماعية.
وفي عام 1988، واجه السودان أزمة غذائية أخرى تزامنت مع سيول وفيضانات واسعة ألحقت أضرارا بمساحات زراعية كبيرة، وأدت إلى تعطيل الإنتاج في عدد من المناطق.
الحرب الحالية تعيد إنتاج الأزمة على نطاق أوسع
مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، بدأت الأوضاع الغذائية تتدهور بصورة أكثر حدة، قبل أن تتفاقم الأزمة بشكل واضح اعتبارا من عام 2024، لتتحول إلى واحدة من أخطر الأزمات الغذائية التي شهدها السودان في تاريخه الحديث.
ويرى مؤرخون وناشطون في المجال الإنساني أن الأزمة الراهنة تختلف عن كثير من المجاعات السابقة من حيث العامل الرئيسي المحرك لها واتساع نطاقها، إذ لم تعد تداعيات نقص الغذاء مقتصرة على مناطق ريفية أو أقاليم محددة، بل امتدت إلى مراكز سكانية وزراعية رئيسية.
وبحسب المؤرخ الاجتماعي والناشط في المجال الإنساني عبد الله التجاني، فإن المجاعات السودانية السابقة ارتبطت في معظم الحالات بعوامل بيئية ومناخية، مثل الجفاف وقلة الأمطار، وإن كانت النزاعات وسوء الإدارة قد أسهما أحيانا في زيادة حدتها.
أما الأزمة الحالية، فيرى أنها ترتبط بدرجة أكبر بالعوامل البشرية الناتجة عن الحرب.
الحرب تضرب الإنتاج والأسواق وممرات الإغاثة
من أبرز أوجه الاختلاف في الأزمة الحالية اتساع رقعتها لتشمل مناطق حضرية وزراعية مهمة، بينها الخرطوم والجزيرة وسنار ودارفور وكردفان، في وقت أدت فيه الحرب إلى نزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.
كما تعرضت البنية التحتية لأضرار واسعة، وتضررت مشروعات زراعية كبيرة، فيما تعطلت الأسواق والمخابز وتعرضت المحاصيل ومصادر الإنتاج لضغوط شديدة.
وأدى اضطراب النظام المصرفي وشبكات الاتصالات إلى عزل مناطق بأكملها وصعوبة وصول السكان إلى الأموال والخدمات والسلع الأساسية، بينما واجهت عمليات الإغاثة عقبات مرتبطة بالممرات الإنسانية وتصاريح الحركة للعاملين في المجال الإنساني.
ويشير منتقدون إلى أن أطراف النزاع استخدمت السيطرة على الإمدادات كأداة ضغط، في وقت لا يتناسب فيه حجم التمويل الدولي المتاح مع اتساع الاحتياجات الإنسانية.
بلد يمتلك مقومات زراعية كبيرة
ولا ترتبط الأزمة الغذائية في السودان فقط بظروف الحرب الحالية، إذ يرى الباحث الاقتصادي محمد عبد الرحمن أنها تكشف أيضا عن مشكلات تنموية تراكمت على مدى سنوات.
ويشير عبد الرحمن إلى أن السودان يمتلك إمكانات زراعية ومائية وحيوانية ضخمة، تشمل مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ومصادر مائية تتمثل في النيل والأمطار، إلى جانب ثروة حيوانية كبيرة، وهي عوامل يمكن أن تمنح البلاد قدرة عالية على إنتاج الغذاء.
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تصطدم بمجموعة من العقبات، في مقدمتها الحروب والنزاعات المسلحة، التي تؤدي إلى تدمير البنية الإنتاجية ودفع المزارعين إلى ترك أراضيهم.
كما يسهم غياب الاستقرار السياسي، وضعف السياسات الزراعية والتمويل، ومحدودية الضمانات الحكومية، فضلا عن استمرار الاعتماد على أساليب زراعية تقليدية، في إضعاف قدرة القطاع الزراعي على تحقيق إنتاج مستقر.
وبذلك تبدو المجاعة في السودان، عبر تاريخها الطويل، نتاجا لتفاعل عوامل متعددة، بدأت في مراحل مختلفة بالجفاف والأوبئة والفيضانات، ثم تفاقمت بفعل النزاعات وسوء الإدارة والاختلالات الاقتصادية. أما الحرب الحالية فقد جمعت عددا من هذه العوامل في وقت واحد، وحولت الغذاء من مجرد قضية مرتبطة بالمناخ والإنتاج إلى أزمة إنسانية واسعة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وديمغرافية عميقة.







