الصحة

لماذا تتزايد أمراض المناعة الذاتية؟ النظام الغذائي ونمط الحياة في دائرة الاتهام

تشهد أمراض المناعة الذاتية انتشارًا متزايدًا حول العالم، لتصبح واحدة من أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث، خاصة في الدول الصناعية. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 8% و10% من سكان العالم يعانون من أحد هذه الأمراض، التي تضم نحو 150 حالة مختلفة، من أبرزها السكري من النوع الأول، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وداء الأمعاء الالتهابي، والتصلب اللويحي، والذئبة الحمامية.

ويثير هذا الارتفاع المستمر اهتمام الباحثين، في ظل غياب علاج نهائي لهذه الأمراض واعتماد العلاج الحالي على مثبطات المناعة التي تخفف الأعراض وتحد من تطور المرض، لكنها تتطلب استخدامًا طويل الأمد وترافقها آثار جانبية وتكاليف مرتفعة.

كيف تتحول المناعة إلى مهاجم للجسم؟

تحدث أمراض المناعة الذاتية عندما يفقد الجهاز المناعي قدرته على التمييز بين الخلايا السليمة والعوامل الضارة، فيبدأ بمهاجمة أنسجة الجسم وأعضائه بدلاً من حمايتها. وينتج عن ذلك التهاب مزمن قد يؤدي إلى تلف العضو المستهدف وظهور أمراض تختلف باختلاف مكان الهجوم المناعي.

ورغم مرور أكثر من قرن على اكتشاف أول حالة موثقة للمناعة الذاتية عام 1904، فإن العلماء لم يتوصلوا حتى الآن إلى سبب قاطع لهذا الخلل. وتشير الدراسات إلى أن العوامل الوراثية تفسر نحو 30% من الحالات، بينما ترتبط النسبة المتبقية بعوامل بيئية وهرمونية وأنماط الحياة.

النظام الغذائي الغربي تحت المجهر

يرى عدد متزايد من الباحثين أن انتشار النظام الغذائي الغربي قد يكون أحد أبرز الأسباب المحتملة وراء ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

ويعتمد هذا النمط الغذائي على الأطعمة المصنعة، والوجبات السريعة، واللحوم المصنعة، والحبوب المكررة، والمشروبات السكرية، إضافة إلى المنتجات الغنية بالدهون المشبعة والأملاح والسكريات، وهي مكونات ارتبطت في العديد من الدراسات بزيادة الالتهابات واضطرابات الجهاز المناعي.

وأظهرت مراجعة علمية نُشرت عام 2012 احتمال وجود علاقة بين الإفراط في تناول البروتينات الحيوانية وارتفاع خطر الإصابة بداء الأمعاء الالتهابي، مع التأكيد على أن هذه العلاقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإثبات العلمي.

كما أشارت أبحاث أخرى إلى احتمال وجود ارتباط بين استهلاك حليب الأبقار والإصابة بالتصلب اللويحي، عبر آليات قد تؤثر في الحاجز الدموي الدماغي أو في استجابة الجهاز المناعي، إلا أن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تثبت علاقة سببية حتى الآن.

كيف تؤثر الأطعمة المصنعة في الجهاز المناعي؟

توصلت دراسات حديثة إلى أن الاستهلاك المستمر للأطعمة فائقة التصنيع يسبب تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، ويؤثر في توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، مما يؤدي إلى إضعاف الحاجز المعوي وتحفيز استجابة التهابية مزمنة.

ويرى الباحثون أن هذه التغيرات قد تخل بتوازن الخلايا المناعية، وتزيد احتمالات تطور أمراض المناعة الذاتية، خاصة لدى الأشخاص الذين يمتلكون استعدادًا وراثيًا.

هل النظافة المفرطة تؤثر في المناعة؟

من الفرضيات التي تحظى باهتمام واسع بين العلماء ما يعرف بـ”فرضية النظافة”، والتي تفترض أن الإفراط في استخدام المعقمات وتقليل التعرض للميكروبات الطبيعية قد يؤثر في تطور الجهاز المناعي.

وبحسب هذه الفرضية، فإن قلة تعرض الإنسان للبكتيريا والطفيليات والكائنات الدقيقة خلال مراحل النمو قد تحد من قدرة الجهاز المناعي على التمييز بين الأخطار الحقيقية والعوامل غير الضارة، مما يزيد احتمالات حدوث اضطرابات مناعية أو حساسية.

وأظهرت مراجعات علمية لاحقة أن المجتمعات الحديثة، التي تعتمد بشكل كبير على التعقيم، سجلت معدلات أعلى من بعض أمراض المناعة الذاتية مقارنة بالمجتمعات التي يتعرض أفرادها بصورة أكبر للبيئات الطبيعية والكائنات الدقيقة.

لماذا يصعب تحديد السبب الحقيقي؟

يشدد العلماء على أن أمراض المناعة الذاتية لا تنتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة ونمط الحياة والعوامل الهرمونية وربما بعض العدوى الفيروسية أو البكتيرية.

كما أن كثيرًا من الدراسات الحالية تكشف عن وجود ارتباطات إحصائية بين بعض العوامل والمرض، لكنها لا تثبت بشكل قاطع أن تلك العوامل هي السبب المباشر للإصابة، الأمر الذي يدفع الباحثين إلى مواصلة الدراسات لفهم الآليات الدقيقة وراء هذه الأمراض.

جهود مستمرة للوقاية والعلاج

مع استمرار ارتفاع أعداد المصابين عالميًا، تتواصل الجهود العلمية لتطوير علاجات أكثر فاعلية تستهدف الخلل المناعي بدقة أكبر، إلى جانب تعزيز التوعية بأهمية اتباع نمط حياة صحي يعتمد على الغذاء المتوازن، وممارسة النشاط البدني، والحد من استهلاك الأطعمة المصنعة.

ويرى الخبراء أن فهم العلاقة بين البيئة ونمط الحياة والجهاز المناعي قد يفتح الباب أمام استراتيجيات وقائية جديدة، تسهم في تقليل معدلات الإصابة وتحسين جودة حياة المرضى، في انتظار الوصول إلى علاجات قادرة على معالجة السبب الجذري لهذه الأمراض، وليس الاكتفاء بالسيطرة على أعراضها.

زر الذهاب إلى الأعلى