الأخبار الدولية

إيران بين صراع الهويات: انقسام داخلي يتجاوز السياسة إلى الجذور الثقافية

في ظل التصعيد العسكري الذي تتعرض له إيران، يبرز مشهد معقد لا يقتصر على المواجهة الخارجية، بل يمتد إلى انقسامات داخلية عميقة تعكس تعددية الهوية الإيرانية. فبينما تتعرض البلاد لضربات أمريكية وإسرائيلية، يظهر على الساحة تيار معارض في الخارج، يقوده رضا بهلوي، يدعو إلى إسقاط النظام حتى وإن تحقق ذلك عبر تدخل عسكري خارجي.

هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات حول طبيعة المجتمع الإيراني، الذي لا يمكن اختزاله في صورة واحدة، بل يتكون من طبقات متداخلة من الانتماءات القومية والدينية والسياسية.

انقسام في المواقف: الداخل مقابل الخارج

في الوقت الذي يحتشد فيه الإيرانيون داخل البلاد رفضا للهجمات، تنظم مجموعات من الإيرانيين في الخارج، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، فعاليات مؤيدة لهذه الضربات، رافعين رموز الحقبة الملكية إلى جانب شعارات داعمة للغرب.

ويمثل هذا التيار امتدادا لنخبة ذات توجه قومي فارسي متشدد، ترى في إسقاط النظام الحالي فرصة لإعادة تشكيل إيران وفق نموذج أقرب إلى الغرب، ويستحضر في خطابه إرث ما قبل الثورة الإسلامية.

الهوية الإيرانية: تركيبة معقدة ومتعددة الأبعاد

تُعد الهوية الإيرانية من أكثر الهويات تعقيدا، حيث تشكلت عبر تفاعل طويل بين الحضارة الفارسية القديمة والانتماء الإسلامي، خاصة المذهب الشيعي، إلى جانب تأثيرات الحداثة.

ورغم أن الإسلام شكّل محطة مفصلية في تاريخ إيران، فإنه لم يُلغِ الموروث الفارسي، بل اندمج معه ليُنتج مزيجا ثقافيا فريدا يصعب تفكيكه أو تبسيطه.

الجذور الفارسية: حضور قوي في الثقافة والمجتمع

يظل البعد الفارسي مكونا أساسيا في الهوية الإيرانية، ويتجلى ذلك في الاحتفالات الكبرى مثل عيد النيروز، إلى جانب تقاليد متوارثة تعود إلى ما قبل الإسلام.

كما لعب الأدب الفارسي، خصوصا ملحمة الشاهنامة للشاعر أبو القاسم الفردوسي، دورا محوريا في ترسيخ هذا البعد، حيث حفظت اللغة والتاريخ والأساطير الفارسية عبر قرون.

وفي العصر الحديث، عززت الدولة هذا التوجه، خاصة خلال حكم رضا شاه بهلوي، الذي سعى إلى إعادة إحياء الهوية الفارسية من خلال سياسات ثقافية ولغوية ممنهجة.

التشيّع كركيزة للدولة الحديثة

إلى جانب القومية الفارسية، يمثل المذهب الشيعي أحد الأعمدة الأساسية لهوية إيران المعاصرة، وهو ما ترسخ منذ قيام الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي، التي فرضت التشيع كمذهب رسمي.

وتعزز هذا البعد بعد الثورة الإيرانية 1979، بقيادة روح الله الخميني، الذي أسس نظاما سياسيا قائما على مبدأ “ولاية الفقيه”، جامعًا بين السلطة الدينية والسياسية.

كما ظهرت نظريات سياسية مثل “أم القرى” التي ترى في إيران مركزا قياديا للعالم الإسلامي، مع اعتبار مدينة قم محورا دينيا عالميا.

تداخل الدين والقومية: صيغة فريدة

لم يكن التشيع بديلا عن الهوية الفارسية، بل تداخل معها في صيغة معقدة، حيث جرى توظيف الرموز الدينية ضمن سياق ثقافي أوسع، يعكس الامتزاج بين الإرث الإمبراطوري القديم والانتماء الإسلامي.

وتظهر هذه الظاهرة في قراءة الأحداث الدينية مثل كربلاء، التي تُستحضر في الوعي الإيراني ليس فقط كواقعة دينية، بل كملحمة بطولية تتقاطع مع الموروث الأسطوري الفارسي.

صراع مستمر بين التيارات الفكرية

مع تعدد روافد الهوية، تتشكل داخل إيران وخارجها تيارات فكرية متباينة، بعضها يركز على القومية الفارسية، وبعضها على البعد الديني، فيما يسعى آخرون إلى تبني نموذج غربي حديث.

ويبرز الشتات الإيراني، خاصة في الولايات المتحدة، كمركز لنشاط معارض يعكس هذا التنوع، حيث تتقاطع فيه مواقف سياسية وثقافية متباينة، تتراوح بين رفض النظام الحالي والدعوة إلى إعادة تعريف هوية الدولة.

في المحصلة، لا يمكن فهم المشهد الإيراني بمعزل عن هذا التعقيد البنيوي، إذ إن الصراع الدائر لا يقتصر على السلطة، بل يمتد إلى تعريف “إيران” نفسها، بين ماضيها الإمبراطوري، وحاضرها الديني، وتطلعات بعض أبنائها لمستقبل مختلف.

زر الذهاب إلى الأعلى