أصوات يهودية ناقدة: قراءة في تفكيك السردية الصهيونية من الداخل

لا تمثل الحركة الصهيونية، منذ نشأتها، إجماعا يهوديا مطلقا كما تروج له أدبياتها السياسية، إذ برزت على الدوام أصوات يهودية ناقدة من داخل الأوساط الأكاديمية والعسكرية، ترفض اختزال الهوية اليهودية في مشروع استيطاني.
هذه الأصوات لم تكتفِ بالنقد النظري، بل خاضت تجارب شخصية قادتها إلى مراجعة عميقة للمسلمات التي قامت عليها إسرائيل، معتبرة أن الصهيونية ظاهرة سياسية تاريخية قابلة للانحسار وليست قدرا حتميا.
مسار شخصي من القناعة إلى المراجعة
يُعد المؤرخ والفيلسوف الروسي أرتيوم كيربيتشونوك نموذجا لافتًا في هذا السياق، حيث جمع مساره بين النشأة في بيئة سوفيتية علمانية، والهجرة إلى إسرائيل، ثم الخدمة العسكرية داخل قطاع غزة خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يقرر مغادرتها لاحقا.
ويصف كيربيتشونوك تجربته بأنها انتقال من “قناعة أيديولوجية” إلى “وعي أخلاقي”، مؤكدا أن الصراع يتجاوز كونه نزاعا سياسيا ليطرح أسئلة جوهرية حول العدالة والضمير الإنساني.
بدايات صادمة في المجتمع الإسرائيلي
يروي كيربيتشونوك أن حياته في إسرائيل بدأت ضمن ظروف صعبة، حيث أقام مع عائلته في مراكز استيعاب للمهاجرين، قبل الانتقال إلى مدينة عسقلان. ورغم الانبهار الأولي بالمكان، سرعان ما اصطدم بواقع اجتماعي معقد، اتسم -بحسب وصفه- بالتباعد الثقافي والتوتر بين فئات المجتمع.
كما أشار إلى معاناة المهاجرين من التمييز، وصعوبة الاندماج، ما عزز لديه شعورا بالاغتراب داخل المجتمع الجديد.
تجربة عسكرية تكشف التناقضات
خلال خدمته في الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة، يقول كيربيتشونوك إنه لاحظ ضعفا في الانضباط العسكري، وتباينا بين الصورة النمطية للجيش والواقع العملي، ما دفعه إلى التشكيك في الخطاب الدعائي الذي كان يتلقاه سابقا.
كما عبّر عن رفضه لفكرة الخدمة الإلزامية، معتبرا أنها لا تتسق مع ما يُروّج له من قيم الحرية.
قرار المغادرة: تراكمات فكرية ومهنية
جاء قرار مغادرة إسرائيل نتيجة تراكمات فكرية وتجارب شخصية، حيث خلص إلى أنه لن يتمكن من تحقيق ذاته مهنيا أو الانسجام ثقافيا داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأشار إلى أن اطلاعه الأكاديمي أتاح له التعرف على روايات تاريخية مغايرة، تتناقض مع السردية الصهيونية، ما عمّق قناعته بضرورة إعادة تقييم هذه الأيديولوجيا.
تفكيك الصهيونية: أدوات فكرية وتحديات واقعية
يرى كيربيتشونوك أن الفكر واللاهوت اليهودي يمتلكان أدوات كافية لتفكيك الصهيونية، لكنه يقر بأن سقوط الأيديولوجيات لا يحدث بمجرد نقدها نظريا، بل يتطلب تحولات تاريخية أوسع.
كما يفسر غياب حراك أكاديمي واسع داخل إسرائيل بعدة عوامل، أبرزها الضغوط المهنية، والخوف من العزلة الاجتماعية، إضافة إلى الترابط الوثيق بين المجتمع والمؤسسة العسكرية.
اختلال الرواية في الوعي الغربي
يتطرق كيربيتشونوك إلى هيمنة الرواية الإسرائيلية في الخطاب الغربي، مرجعا ذلك إلى عوامل ثقافية وتاريخية، منها الصور النمطية والاستشراق، ما يجعل الرواية الفلسطينية أقل حضورا وتأثيرا.
ومع ذلك، يرى أن هذا التوازن بدأ يشهد تغيرا تدريجيا مع تراجع مركزية الخطاب الغربي التقليدي.
مستقبل مفتوح على التحولات
يختتم كيربيتشونوك رؤيته بالتأكيد على أن الصهيونية، كغيرها من الظواهر التاريخية، ليست أبدية، وأن مستقبلها مرتبط بتطورات سياسية وفكرية معقدة.
ويدعو إلى فهم أعمق للمجتمعات المتنازعة، معتبرا أن إدراك نقاط القوة والضعف لدى الطرف الآخر يمثل مدخلا أساسيا لأي تحول حقيقي في مسار الصراع.







