فائض ليبيا التجاري يتضاعف إلى 6.2 مليارات دولار.. والاقتصاد لا يزال رهينة النفط

قال وزير الاقتصاد الليبي سهيل شيحة إن الاقتصاد الليبي حقق تحسنا ملحوظا في فائض الميزان التجاري خلال النصف الأول من العام الجاري، مدفوعا بشكل رئيسي بارتفاع أسعار النفط، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الهيكل الإنتاجي للبلاد لا يزال يواجه تحديات كبيرة تحول دون تحقيق تنويع اقتصادي حقيقي.
وأوضح شيحة أن ارتفاع الصادرات مقارنة بالواردات يعكس قدرة ليبيا على تحقيق فائض تجاري، إلا أن هذه النتيجة لا تعني بالضرورة قوة القطاعات الإنتاجية المحلية، نظرا إلى اعتماد البلاد شبه الكامل على عائدات النفط في تمويل صادراتها.
6.2 مليارات دولار فائض الميزان التجاري
أظهرت البيانات أن فائض الميزان التجاري الليبي ارتفع إلى نحو 6.2 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز 2026.
وبلغت قيمة الصادرات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام نحو 18 مليار دولار، وجاءت جميعها تقريبا من مبيعات النفط، في حين وصلت قيمة الواردات إلى نحو 11.6 مليار دولار.
ويرى وزير الاقتصاد أن هذه الأرقام تعكس تحسنا واضحا في المركز التجاري للبلاد، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي على مصدر واحد للدخل، إذ لا تزال صادرات القطاعات غير النفطية محدودة للغاية مقارنة بحجم صادرات الخام.
ارتفاع أسعار النفط يدعم الإيرادات
ارتبط التحسن في الفائض التجاري إلى حد كبير بارتفاع أسعار النفط، في ظل الظروف التي شهدتها أسواق الطاقة على خلفية الأزمة الناجمة عن الحرب الأميركية على إيران.
وقال شيحة إن عوائد النفط الليبية تضاعفت مقارنة بمستوياتها السابقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قيمة الصادرات وعلى قدرة البلاد على تحقيق فائض تجاري.
غير أن الوزير شدد على أن هذا التحسن ينبغي ألا يُقرأ باعتباره تحولا جذريا في بنية الاقتصاد، لأن الزيادة في الإيرادات جاءت أساسا من قطاع النفط وليس نتيجة توسع كبير في الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو غيره من القطاعات القابلة للتنويع.
ليبيا تستورد 60% من احتياجاتها من الوقود
وفي أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي، أشار شيحة إلى أن البلاد تستورد نحو 60% من احتياجاتها من المحروقات، وهو ما يزيد الضغوط على الميزانية ويجعل الاقتصاد أكثر تعرضا لتقلبات الأسواق الخارجية.
وتسعى السلطات إلى الحد من هذا الاعتماد من خلال إعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف، التي تبلغ طاقتها التكريرية أكثر من 220 ألف برميل من النفط يوميا.
ومن المتوقع أن يسهم تشغيل المصفاة في تقليص واردات الوقود، وبالتالي خفض جزء من الإنفاق الخارجي وتعزيز قدرة ليبيا على تلبية احتياجات السوق المحلية من المنتجات النفطية.
الصناعات التحويلية تراهن على الإنتاج المحلي
وأشار وزير الاقتصاد إلى أن المواد الأولية والسلع المرتبطة بالصناعات التحويلية تمثل نحو 45% من الواردات، وهو ما يعكس حجم الاعتماد على الخارج لتوفير مستلزمات الإنتاج.
ويرى شيحة أن تقليص هذه الواردات من خلال توسيع قاعدة الإنتاج المحلي يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تحسين هيكل الاقتصاد الليبي.
وبحسب تقديراته، قد يشهد الاقتصاد تغيرا إيجابيا على مستوى الإنتاج المحلي بحلول نهاية العام المقبل، إذا نجحت الخطط الحكومية في زيادة الإنتاج وتعزيز دور الصناعات المحلية.
تحديات نقدية تضغط على الاقتصاد
ولا تقتصر المشكلات الاقتصادية على ضعف التنويع الإنتاجي، إذ ربط شيحة ارتفاع معدلات التضخم بعدم توحيد منظومة صرف العملة المحلية.
وأشار إلى اعتماد مصرف ليبيا المركزي منظومتين مختلفتين، وهو ما يزيد الضغوط على قيمة العملة ويؤثر في مستويات الأسعار داخل السوق المحلية.
كما أوضح أن نمو عرض النقود محليا يمثل عاملا إضافيا في ارتفاع التضخم، الأمر الذي يقلل من الأثر الذي يمكن أن يشعر به المواطنون نتيجة برامج التنمية والإجراءات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة.
ويضع ذلك السلطات أمام تحدي تحقيق التوازن بين زيادة السيولة اللازمة لتمويل النشاط الاقتصادي وبين السيطرة على التضخم والحفاظ على القوة الشرائية للعملة المحلية.
الحكومة تراهن على زيادة الإنتاج والصادرات
وأكد شيحة أن الحكومة تعمل على رفع مستويات الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات بهدف تقليل الاعتماد على الواردات ودعم الاقتصاد خارج قطاع النفط.
وتواجه هذه المهمة عقبات مرتبطة بضعف القاعدة الإنتاجية، إضافة إلى الظروف السياسية التي أثرت خلال السنوات الماضية في انتظام عمليات الإنتاج والتصدير.
وتعرض قطاع النفط الليبي مرارا لاضطرابات بسبب التوترات السياسية وإعلانات القوة القاهرة، ما أدى في فترات مختلفة إلى توقف الإنتاج أو تراجع مستويات التصدير، وانعكس ذلك مباشرة على إيرادات الدولة ووضعها المالي.
إيرادات النفط تتذبذب خلال السنوات الماضية
تعكس بيانات الإيرادات النفطية مدى ارتباط الاقتصاد الليبي بتقلبات قطاع الطاقة.
فقد بلغت عائدات النفط نحو 21.6 مليار دولار عام 2021، قبل أن ترتفع إلى 22 مليار دولار في العام التالي.
ثم تراجعت الإيرادات إلى نحو 19.5 مليار دولار في 2023، قبل أن تنخفض إلى 18.6 مليار دولار خلال 2024، لتعاود الارتفاع إلى نحو 22 مليار دولار العام الماضي.
وتوضح هذه الأرقام أن التغير في أسعار النفط وحجم الإنتاج والتصدير يترك تأثيرا مباشرا على الإيرادات الليبية، في ظل محدودية مساهمة القطاعات الأخرى في الصادرات.
وتضع الحكومة أمامها مهمة مزدوجة تتمثل في الاستفادة من ارتفاع الإيرادات النفطية لتمويل الاقتصاد، وفي الوقت نفسه استغلال هذه الموارد لبناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا تقلل اعتماد البلاد على النفط وتحد من تعرضها للصدمات الخارجية.







