لامين جمال.. موهبة استثنائية تمزج سحر كرة الشوارع بانضباط أكاديمية برشلونة

بمراوغة سريعة خلف ساقه الثابتة، وتسديدة مقوسة استقرت في أقصى الزاوية البعيدة، أعقبها احتفال اتسم بالهدوء والثقة، افتتح لامين جمال أهداف برشلونة في انتصاره الكبير على ريال بيتيس بنتيجة 5-2.
لم يكن الهدف مجرد لقطة عابرة في مباراة، بل عكس ملامح الموهبة التي يمتلكها اللاعب الشاب، الذي لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، وأصبح أحد أبرز رموز جيل جديد يبحث عن الإبداع والمتعة في كرة القدم، رغم تصاعد الاعتماد على الخطط التكتيكية الصارمة.
وبفضل قدمه اليسرى المميزة، وحركاته الفنية القائمة على استخدام الكعب والتمويه، يمنح جمال المباريات طابعا مختلفا، ويعيد إلى الملاعب جانبا من العفوية والمهارة الفردية التي تراجعت أمام الحسابات التكتيكية. كما يقدم نموذجا مغايرا لما اعتاده تاريخ خريجي أكاديمية برشلونة «لا ماسيا».
من أزقة روكافوندا إلى ملاعب برشلونة
لا يمكن فهم الشخصية الكروية للامين جمال بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها، إذ تعود جذوره الفنية إلى بلدة ماتارو، وتحديدا أزقة حي «روكافوندا» الشعبي الواقع بالقرب من برشلونة.
فجمال لم يتشكل بالكامل داخل ملاعب التدريب والأكاديميات المغلقة، بل اكتسب جانبا كبيرا من مهاراته في أجواء كرة الشوارع، بما تتسم به من عفوية واحتكاك ومراوغات غير تقليدية.
وعندما انتقل إلى أجواء التدريب المنظم داخل أكاديمية برشلونة، لم يتخل عن أسلوبه الأول أو يسمح للمنظومة التكتيكية بتقييد مهاراته الفردية، بل نجح في الجمع بين خلفيته الكروية ومبادئ اللعب التي يتبناها النادي، من خلال مجموعة من السمات أبرزها:
- الحفاظ على عنصر المفاجأة والقدرة على تغيير إيقاع اللعب في المواجهات الفردية دون تردد.
- تحويل المهارات الاستعراضية إلى وسائل فعالة لاختراق الدفاعات وخدمة الفريق.
- المزج بين دهاء كرة الشوارع وسرعة التمرير والقدرة على قراءة المساحات، وهي عناصر أساسية في فلسفة «التيكي تاكا».
وتساعد هذه التركيبة على تفسير خصوصية أسلوب جمال، إذ يرى جوردي فينيالس، المدرب السابق للفئات السنية في برشلونة، أن اللاعب يدفع بفن المراوغة إلى أقصى حدوده، مشيرا إلى أن فلسفة النادي لطالما احتضنت المواهب القادرة على صناعة الفارق بقدراتها الفردية.
ويستحضر فينيالس تجربة ليونيل ميسي، الذي كان قادرا على حسم المباريات عندما تتاح له المساحة لخوض المواجهات الثنائية، معتبرا أن جمال يقدم اليوم نموذجا مشابها في التعامل مع الدفاعات المتكتلة ومحاولة تفكيكها بالمهارة والمراوغة.
مزيج فني يجمع بين كواريسما ونيمار
تتضح خصوصية لامين جمال في قدرته على الجمع بين أساليب كروية مختلفة، وهو ما دفع المحلل الأرجنتيني خورخي فالدانو إلى وصفه بأنه موهبة تتجاوز في دهائها ومهاراتها الإطار التقليدي الذي تخرّج منه لاعبو «لا ماسيا».
ويرتكز أسلوب جمال، بحسب هذا التصور، على مزيج من مهارات كرة الشوارع والانضباط التكتيكي، وهو ما يجعله مختلفا عن كثير من المواهب التي برزت خلال السنوات الماضية.
وخلال العقد الأخير، تبرز ملامح من أسلوب البرازيلي نيمار والبرتغالي ريكاردو كواريسما عند متابعة تحركات اللاعب الإسباني، خصوصا في طريقة تنفيذ المراوغات التي تجمع بين الخفة والجرأة والقدرة على صناعة الفارق.
ويفسر فالدانو انسيابية أداء جمال بامتلاكه مرونة جسدية كبيرة تساعده على تجاوز المساحات الضيقة، دون الاعتماد على القوة البدنية أو الاندفاع المباشر. فبدلا من اقتحام المساحات بالعنف، يتحرك بينها بسلاسة، ويستغل أقل قدر من الحركة لتجاوز المدافعين وصناعة الفرص.







