الصحة

ليبيا تنفق 11.82 مليار دينار على الأدوية وسط نقص في المستشفيات وهدر في المخازن

قد يصل مريض إلى المستشفى صائما استعدادا لإجراء عملية جراحية، قبل أن يفاجأ بتأجيلها بسبب نقص دواء التخدير أو أحد المستلزمات الأساسية. وفي المقابل، تكشف مراجعات رقابية عن أدوية اشترتها الدولة وظلت في المخازن حتى انتهت صلاحيتها.

وبين نقص الإمدادات وهدر المشتريات، أنفقت ليبيا نحو 11.82 مليار دينار، ما يعادل قرابة 2.46 مليار دولار، على توريد الأدوية للقطاع العام خلال الفترة من 2022 إلى 2025، من دون أن يضمن هذا الإنفاق وصول العلاج المناسب إلى جميع المرضى في الوقت المطلوب.

ولا ترتبط الأزمة بحجم المبالغ المرصودة فحسب، بل تشمل آليات تحديد الاحتياجات وشراء الأدوية وتخزينها وتوزيعها، وفقا لمراجعة دعم القطاع الدوائي التي نشرها ديوان المحاسبة في 8 يونيو/حزيران 2026، استنادا إلى نتائج اللجنة العليا لتنفيذ التعاون الإستراتيجي لمكافحة الفساد، المشتركة بين الديوان والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

وقال أحمد محمد النقيق، عضو اللجنة، للجزيرة نت إن مسؤولية شراء الأدوية انتقلت من جهة مركزية واحدة في عام 2022 إلى أكثر من 25 جهة في عام 2025، الأمر الذي أدى، بحسب تقديره، إلى تشتت الإنفاق وتعدد الأسعار، فضلا عن إضعاف القدرة التفاوضية للدولة.

مليارات تُنفق وأدوية لا تصل إلى المرضى

أظهرت نتائج المراجعة تباينا ملحوظا في الإنفاق على الأدوية خلال السنوات الأربع؛ إذ بلغ نحو 1.775 مليار دينار، أي قرابة 370 مليون دولار، في عام 2022، قبل أن يرتفع إلى 4.15 مليارات دينار، بما يعادل نحو 865 مليون دولار، عام 2023، مسجلا زيادة بنسبة 134%.

وفي عام 2024، تراجع الإنفاق إلى 3.87 مليارات دينار، نحو 806 ملايين دولار، ثم انخفض مجددا في عام 2025 إلى قرابة 2.03 مليار دينار، أي ما يقارب 423 مليون دولار، بتراجع يناهز 48% مقارنة بالعام السابق.

وأوضح النقيق أن تقدير احتياجات القطاع الدوائي يستند إلى بيانات العام السابق، مع إضافة زيادات تقديرية تتراوح بين 10% و15%، من دون ربط كاف بالاستهلاك الفعلي وحجم المخزون المتاح.

ورصدت المراجعة وجود أصناف دوائية بكميات تفوق الاحتياجات، مقابل أصناف أخرى تقل كمياتها عن المطلوب، إلى جانب اعتمادات أُلغيت بعد الترسية، وأخرى ظلت مفتوحة من دون تسوية كاملة.

ومن بين 89 اعتمادا مستنديا مرتبطا بالعطاء العام، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 420 مليون يورو، أي قرابة 454 مليون دولار، أُلغيت خمسة اعتمادات بعد الترسية، فيما بقي 18 اعتمادا غير مسدد بالكامل بقيمة تقارب 25 مليون يورو، ما يعادل نحو 27 مليون دولار.

كما ظلت 65 اعتمادا تتضمن أرصدة متبقية تقدر بنحو 135 مليون يورو، أي ما يقارب 146 مليون دولار.

وفي جانب التخزين، كشفت المراجعة عن وجود أدوية منتهية الصلاحية يعود بعضها إلى عام 2001، في ظل غياب آلية وطنية معتمدة للتخلص من هذه الأصناف.

ومن الأمثلة التي أوردها التقرير نحو مليوني قرص من دواء كاربيدوبا، بلغت قيمتها 680 ألفا و774 يورو، أي ما يعادل نحو 735 ألف دولار، أو قرابة 3.44 ملايين دينار، وكانت صلاحيتها قد قاربت على الانتهاء.

وسجل التقرير أيضا ارتفاع قيمة اعتمادات شركة تيسير الدوائية من 2.2 مليون دولار عام 2022 إلى 43 مليون دولار عام 2025.

وفي هذا السياق، شدد النقيق على أن شبهات المخالفات التي تضمنتها المراجعة تستوجب التحقيق والتدقيق، مؤكدا أنها لا تمثل أحكاما قضائية أو إدانات بحق أي جهة.

نقص الأدوية يهدد المرضى ويؤخر العمليات الجراحية

لا تقتصر انعكاسات أزمة الإمدادات الدوائية على أرقام الإنفاق والمخزون، بل تظهر بصورة مباشرة في حياة المرضى الذين يعجزون عن الحصول على علاجاتهم، أو يضطرون إلى تأجيل تدخلات طبية يحتاجون إليها.

وقال الدكتور حسن المصراتي، نائب مدير مستشفى الأمراض الصدرية، للجزيرة نت إن نقص الأدوية التخصصية مستمر منذ فترة، ويشمل علاجات الربو والتهاب الشعب الهوائية المزمن.

وأضاف أن بعض المرضى يضطرون إلى شراء أدويتهم من خارج المستشفى، في وقت لا تتوفر فيه بانتظام علاجات بيولوجية يحتاج إليها بعض المصابين بالربو، فضلا عن أدوية مرتفعة التكلفة لعلاج التليف الرئوي وارتفاع ضغط الشريان الرئوي.

ودعا المصراتي إلى إشراك الأطباء المختصين في تحديد الاحتياجات الدوائية، بما يضمن توفير الأصناف التي يحتاج إليها المرضى فعليا.

من جانبه، قال الدكتور عبد الحفيظ الجهاني، رئيس الجمعية الليبية لطب وزراعة الكلى، إن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يعد من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي في البلاد.

وأوضح أن غياب أدوية التخدير أو بعض المستلزمات الأساسية قد يدفع الفرق الطبية إلى تأجيل العمليات غير الطارئة أو إلغائها في اللحظات الأخيرة، حتى بعد حضور المريض إلى المستشفى وصيامه استعدادا للجراحة.

وحذر الجهاني من أن تكرار تأجيل العمليات قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمريض، وتحول الحالات شبه الطارئة إلى حالات طارئة، الأمر الذي يزيد تعقيد التدخل الجراحي ويقلل فرص نجاحه.

وأشار إلى أن النقص يشمل أدوية أمراض الكلى وزراعة الأعضاء والأورام والسكري والإنسولين والمسكنات، إلى جانب مستلزمات طبية متنوعة، من بينها خيوط الجراحة والشاش والمعقمات والقفازات والأنابيب المعقمة وأنابيب التنفس الصناعي ووصلات أجهزة التخدير وأقنعة الأكسجين والقساطر الوريدية ومستلزمات نقل الدم والغسيل الكلوي.

انقطاع أدوية زراعة الكلى والأورام يفاقم المعاناة

وحذر الجهاني بصورة خاصة من انقطاع الأدوية المثبطة للمناعة التي يحتاج إليها مرضى زراعة الكلى بصورة منتظمة، موضحا أن توقفهم عن تناولها قد يؤدي إلى فقدان الكلية المزروعة والعودة إلى الغسيل الكلوي المزمن.

واعتبر أن عجز الجهات الصحية عن توفير هذه الأدوية يمثل خسارة صحية كبيرة للمريض، لا سيما أن استقرار حالة زراعة الكلى يعتمد على استمرار العلاج وعدم انقطاعه.

كما أشار إلى أن نقص أدوية الأورام يدفع بعض المرضى إلى البحث عنها في الصيدليات الخاصة أو السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وقد تضطر أسر إلى بيع سياراتها أو مصوغاتها الذهبية، أو اللجوء إلى الاستدانة، من أجل توفير تكاليف العلاج.

ولا تتوقف المخاطر عند الأعباء المالية، إذ إن البحث عن أصناف نادرة، مثل أنواع محددة من خيوط الجراحة، يضيف مشقة جديدة إلى معاناة المرضى.

كذلك، يثير اللجوء إلى الشراء من مصادر غير موثوقة مخاوف بشأن جودة الأدوية وسلامتها، خصوصا الأصناف التي تتطلب درجات حرارة محددة خلال النقل والتخزين، مثل بعض أدوية التخدير ومشتقات الدم.

وحذر الجهاني من احتمال وصول أدوية عبر قنوات لا تخضع للرقابة أو لا تلتزم بشروط التبريد والتوزيع، بما قد يعرض المرضى للحصول على مستحضرات غير مطابقة للمواصفات أو مجهولة المصدر.

تعدد الإجراءات يؤخر وصول العلاج

وعزا الجهاني جانبا من تأخر وصول الأدوية إلى تعدد الجهات والإجراءات المتداخلة بين تحديد الاحتياجات ووزارة الصحة والميزانية ومصرف ليبيا المركزي والجهات الرقابية.

وأوضح أن هذه الدورة الإدارية قد تؤدي إلى تأخير وصول العلاج إلى المستشفيات، إلى أن تتدهور الحالة الصحية للمريض أو تتراجع فرص استفادته من الدواء في الوقت المناسب.

وتظهر شهادة فرج علي، المصاب بارتفاع ضغط الدم، جانبا من تأثير التغطية الصحية في قدرة المرضى على تحمل نفقات العلاج.

وقال علي للجزيرة نت إن الدواء الذي يحتاج إليه كان متوفرا بصورة منتظمة وبسعر مخفض من خلال التأمين الصحي خلال فترة عمله في شركة البريقة، لكنه أصبح يتحمل تكلفته بنفسه بعد التقاعد، إلى حين استكمال إجراءات الضمان الاجتماعي.

ولا تكفي هذه الحالة الفردية لتقييم مستوى توافر الأدوية في ليبيا بصورة عامة، لكنها توضح كيف يمكن لانقطاع التغطية الصحية أن يزيد الأعباء المالية الملقاة على عاتق المرضى.

خطوات معلنة لمواجهة الأزمة واختبار التنفيذ

في إطار التحركات المعلنة لمعالجة الاختلالات، أصدر جهاز الإمداد الطبي في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026 دليلا لتأهيل الموردين وتصنيفهم.

كما أعلن الجهاز في 10 أكتوبر/تشرين الأول إصدار دليل لإدارة المخزون والتتبع، يستهدف توحيد إجراءات استلام الأدوية وتخزينها وتوزيعها، والحد من الهدر وانتهاء الصلاحية.

وفي 6 سبتمبر/أيلول، أعلنت هيئة الرقابة الإدارية متابعة التعاقدات والتوريدات الدوائية، إلى جانب رصد ملاحظاتها بشأن العطاءات الخاصة بالأدوية.

غير أن إعلان هذه الإجراءات لا يعني بالضرورة تنفيذ جميع توصيات المراجعة الرقابية أو معالجة الاختلالات التي كشفت عنها، إذ يظل الاختبار الأساسي مرتبطا بمدى تطبيقها على أرض الواقع وقدرتها على تحسين إدارة المشتريات والمخزون وضمان وصول الأدوية إلى المستشفيات.

وتكتسب مسألة المساءلة أهمية إضافية في ضوء ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير/شباط 2026، إذ حصلت البلاد على 13 نقطة من أصل 100، وجاءت في المرتبة 177 من بين 182 دولة وإقليما.

ويقيس المؤشر تصورات الفساد في القطاع العام، لكنه لا يمثل دليلا على وقوع مخالفات محددة في ملف توريد الأدوية، الذي يتطلب التعامل مع ما ورد فيه من ملاحظات وشبهات عبر التحقيق والرقابة والمساءلة.

زر الذهاب إلى الأعلى