الأخبار الدولية

السويس.. من ميناء موسمي إلى بوابة تجارية صنعت نهضة المدينة

ظلت مدينة السويس، لقرون طويلة، تؤدي دورا محدودا وموسميا في حركة التجارة والمواصلات، قبل أن تبدأ ملامح التحول التدريجي الذي جعل منها لاحقا واحدة من أهم المدن والموانئ في مصر. فقد ارتبط نشاطها في فترات مبكرة بمواسم الحج وحركة القوافل والتجارة القادمة من البحر الأحمر، في حين حالت ندرة المياه العذبة والاضطرابات الأمنية دون تحولها إلى مركز حضري وتجاري دائم.

ويروي علي مبارك، أحد أبرز رجال الإدارة والفكر في مصر خلال القرن التاسع عشر، أن السويس كانت في وقت سابق “بُليدة صغيرة” لا يقيم فيها سوى عدد محدود من السكان القادمين من الحجاز والطور ومصر، بينما كانت تستقبل أعدادا أكبر من العرب خلال موسم الحج لبيع بضائعهم، قبل أن يعودوا إلى مناطقهم بسبب صعوبة الحصول على المياه العذبة.

وبذلك بقيت السويس حتى منتصف القرن الثامن عشر تقريبا مدينة تنتظر مشروعا اقتصاديا يعيد تعريف وظيفتها، بعدما ظلت أقرب إلى محطة عبور مؤقتة منها إلى مركز تجاري مستقر.

مدينة تستيقظ مع المواسم

على الرغم من محدودية نموها الحضري، لم تكن السويس بعيدة عن حركة التجارة الإقليمية. فقد أدى ميناؤها أدوارا مهمة في مواسم مختلفة، أبرزها استقبال الحجاج والمسافرين من وإلى الحجاز، وخروج المحمل المصري الذي كان يحمل كسوة الكعبة المشرفة ومؤن الحجاج.

كما شهد الميناء حركة لتصدير بعض المحاصيل الزراعية إلى مناطق في الشام والهند، واستقبال سلع قادمة من جنوب الجزيرة العربية والهند، ومن بينها البن اليمني والتوابل، فضلا عن استخدامه من جانب الولاة والمسؤولين في رحلاتهم البحرية.

لكن هذه الأنشطة لم تكن كافية لتأسيس طبقة تجارية محلية قوية قادرة على تحويل المدينة إلى مركز اقتصادي دائم. فقد ظل نشاط السويس مرتبطا إلى حد كبير بالظروف السياسية والأمنية والمواسم التجارية، في ظل استمرارها تحت الإدارة العثمانية.

البحر الأحمر في الحسابات العثمانية

ارتبط وضع السويس أيضا بالسياسة العثمانية تجاه البحر الأحمر. فمع تصاعد المنافسة بين الدولة العثمانية والبرتغاليين، سعت السلطات العثمانية إلى الحد من وصول القوى الأوروبية إلى البحر الأحمر، وتحول الممر المائي عمليا إلى منطقة تخضع لرقابة مشددة.

وأدى الموقع الجغرافي للسويس إلى منحها أهمية عسكرية، فتحولت إلى محطة تستخدم في مراقبة البحر الأحمر وتأمين الطرق المؤدية إليه، إضافة إلى دورها في حماية حركة القوافل بين القاهرة والميناء.

وتكشف شهادة الرحالة الفرنسي جان دي تيفينو، الذي زار مصر عام 1658، جانبا من طبيعة الحياة في تلك الفترة. فقد تحدث عن رحلته من القاهرة إلى السويس، مشيرا إلى وجود مسؤولين مكلفين بحماية القوافل والمسافرين في الطريق الصحراوي.

غير أن الطريق لم يكن آمنا بصورة كاملة، إذ تعرضت القوافل لهجمات من مجموعات من العربان والبدو، وهو ما جعل الوصول إلى السويس رحلة محفوفة بالمخاطر.

ويروي تيفينو أنه شاهد خلال رحلته مقبرة تركية تضم جثمان الكيخيا، نائب حاكم السويس والمسؤول عن تأمين القوافل، بعدما تعرض لهجوم أثناء عودته من السويس على رأس إحدى القوافل، وقُتل عقب مقاومة استمرت فترة من الزمن.

الأمن يعوق التجارة

لم تكن المشكلة الأمنية محصورة في طريق القاهرة إلى السويس، بل امتدت آثارها إلى حركة التجارة نفسها. فقد اضطرت الإدارة العثمانية إلى فرض رسوم على السفن في البحر الأحمر للمساهمة في تحمل تكاليف الحماية وتأمين الملاحة.

واستمر القلق بشأن أمن الطريق حتى نهاية القرن الثامن عشر، بما في ذلك فترة الحملة الفرنسية على مصر.

وتشير إحدى المراسلات التي تعود إلى عام 1798 إلى أن غالب بن مساعد، شريف مكة آنذاك، طلب من نابليون بونابرت تأمين التجار والسفن المحملة بالبن المتجهة إلى السويس، بحيث ترافقها قوات تحميها أثناء انتقالها من الميناء إلى مصر، ثم توفر لها الحماية خلال رحلة العودة.

وتوضح هذه المراسلة أن أمن الطريق لم يكن مسألة محلية فحسب، بل كان عاملا مؤثرا بصورة مباشرة في قدرة السويس على جذب التجار وضمان استمرار تدفق السلع عبرها.

علي بك الكبير وبداية التحول

بدأت ملامح التحول الفعلي في تاريخ السويس مع صعود علي بك الكبير في ستينيات القرن الثامن عشر، في مرحلة شهدت تزايد النزعة الاستقلالية عن السلطة العثمانية في مصر.

وأدرك علي بك أن الموقع الجغرافي لمصر يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية إذا أعيد تنشيط طرق التجارة البرية والبحرية التي تربط البحر الأحمر بالقاهرة والإسكندرية.

وفي هذا السياق، أقام علاقات مع عدد من التجار الأوروبيين، ومن بينهم التاجر كارلو دي روزيتي، الذي ارتبط بعلي بك وأقنعه بأهمية إعادة إحياء الطريق التجاري بين السويس والقاهرة والإسكندرية.

ولم تكن الفكرة مجرد تطوير ميناء أو زيادة حركة السفن، بل ارتبطت بمشروع أوسع يسعى إلى تعزيز استقلال القرار المصري عن المركز العثماني من خلال السيطرة على طرق التجارة ومصادر الإيرادات.

فقد كان علي بك يدرك أن بناء سلطة مستقلة يحتاج إلى موارد مالية وقوة سياسية ونفوذ إقليمي، وهو ما جعل السيطرة على طرق التجارة والموانئ جزءا أساسيا من مشروعه.

تنظيم الميناء والجمارك

بدأ علي بك بإعادة تنظيم العمل في ميناء السويس والجمارك، مع السعي إلى ضبط عمليات التحصيل المالي ومراقبة الصيارفة والمحاسبين المسؤولين عن جمارك السويس والإسكندرية.

وكانت الجمارك تمثل مصدرا مهما للإيرادات، ولذلك ارتبط إصلاحها بمشروع أوسع لإعادة تنظيم الإدارة المالية وتعزيز قدرة السلطة المحلية على التحكم في مواردها.

كما اتخذ علي بك إجراءات لتغيير تركيبة المسؤولين عن بعض المناصب المالية والإدارية، وأسند عددا منها إلى مسيحيين من مصر والشام، بعد أن كان بعض اليهود الأوروبيين المعروفين باسم “اليهود الفرانكو” يهيمنون على جانب من هذه الأعمال.

وتعكس هذه الخطوات إدراكا مبكرا بأن إعادة تنشيط التجارة لا تعتمد على الموقع الجغرافي وحده، بل تحتاج أيضا إلى إدارة أكثر تنظيما للموانئ والجمارك، وضمان بيئة أكثر أمنا للتجار والسفن.

حماية التجار الأوروبيين

ينقل المترجم اليوناني سوفير لوزينيان، الذي عاصر فترة علي بك الكبير، صورة عن الإجراءات التي اتخذها الأخير لإعادة تنظيم الجمارك وتحسين العلاقة مع التجار الأوروبيين.

وبحسب شهادته، سعى علي بك إلى الحد من التجاوزات التي كانت تثقل كاهل التجار، واتخذ إجراءات صارمة ضد بعض المسؤولين المتورطين في فرض إتاوات عليهم.

كما وجه تعليمات إلى قادته العسكريين بضرورة التعامل مع السفن الأوروبية بطريقة تضمن طمأنة أصحابها وقادتها، والتأكيد لهم أن تجارتهم في البحر الأحمر ستكون محمية.

وكان لهذه السياسة أهمية تتجاوز الجانب الإداري، لأنها سعت إلى تحويل السويس من ميناء يخشاه التجار بسبب اضطرابات الطريق والرسوم والممارسات غير المنضبطة إلى نقطة تجارية أكثر جاذبية.

السويس كأداة في مشروع الاستقلال

لم يكن الاهتمام بالسويس منفصلا عن مشروع علي بك الكبير في توسيع نفوذه. فبعد أن تحدى السلطة العثمانية ورفض دفع الجزية وضرب عملة باسمه، اتجه إلى توسيع نفوذه خارج مصر.

وفي عام 1770، استخدم السويس نقطة انطلاق لحملته على الحجاز، التي انتهت بإبعاد شريف مكة الموالي للسلطان العثماني وتعيين الشريف عبد الله بدلا منه.

وقد عزز ذلك موقع السويس باعتبارها نقطة اتصال بين مصر والبحر الأحمر والحجاز، وأظهر أن الميناء لم يكن مجرد منشأة اقتصادية، بل أصبح جزءا من حسابات القوة الإقليمية.

ومن هنا بدأت تتبلور أهمية السويس في مشروع سياسي واقتصادي متكامل، يقوم على استغلال موقعها عند المدخل الشمالي للبحر الأحمر وربطها بشبكة الطرق المؤدية إلى القاهرة والإسكندرية والحجاز.

الموقع الجغرافي يصنع المستقبل

كان العامل الجغرافي هو العنصر الأكثر ثباتا في قصة السويس. فقد كانت المدينة تقع عند نقطة تتيح الربط بين البحر الأحمر ومصر الداخلية، وهو موقع منحها أهمية تجارية وعسكرية حتى عندما كانت الظروف السياسية والاقتصادية تمنع استغلاله بصورة كاملة.

لكن الموقع وحده لم يكن كافيا. فقد احتاجت السويس إلى الأمن، والمياه، وتنظيم الميناء، وتطوير الجمارك، وتشجيع التجار، وإعادة بناء طرق النقل حتى تتمكن من تحويل موقعها الاستثنائي إلى نشاط اقتصادي مستدام.

ولهذا يمكن النظر إلى إصلاحات علي بك الكبير باعتبارها واحدة من المراحل التي مهدت لتحول السويس من مدينة موسمية محدودة النشاط إلى مركز يتمتع بأهمية متزايدة في حركة التجارة الإقليمية.

ومع مرور الزمن، ستتجاوز أهمية السويس حدود التجارة التقليدية والحج والقوافل، خصوصا مع التطورات الكبرى التي شهدتها مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وصولا إلى افتتاح قناة السويس التي أعادت رسم موقع المدينة في خريطة التجارة العالمية.

وهكذا لم تولد أهمية السويس الحديثة في لحظة واحدة، وإنما تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الجغرافيا والسياسة والتجارة والأمن، قبل أن تأتي مشاريع البنية التحتية الكبرى لتمنح المدينة الدور العالمي الذي كانت ملامحه الأولى قد بدأت تتشكل منذ القرن الثامن عشر.

زر الذهاب إلى الأعلى