الصحة

أمراض القلب تتصدر أسباب الوفاة عالميا.. لماذا يتزايد خطرها في العالم العربي؟

تواصل أمراض القلب والأوعية الدموية تصدر قائمة أسباب الوفاة حول العالم، في ظل ارتفاع كبير في أعداد المصابين والوفيات خلال العقود الماضية. ووفقا لتقديرات دراسة عبء المرض العالمي لعام 2023، بلغ عدد حالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية عالميا نحو 626 مليون حالة في عام 2023، مقابل حوالي 311 مليون حالة عام 1990، أي ما يقارب ضعف العدد خلال ثلاثة عقود.

وارتفع عدد الوفيات المرتبطة بهذه الأمراض خلال الفترة نفسها من نحو 13.1 مليون وفاة إلى 19.1 مليون وفاة، لتصبح أمراض القلب والأوعية الدموية مسؤولة حاليا عن نحو وفاة واحدة من كل ثلاث وفيات في العالم، مع مساهمة رئيسية لمرض القلب الإقفاري والسكتة الدماغية.

ورغم هذا الارتفاع الكبير في العبء الإجمالي، تكشف البيانات عن صورة أكثر تعقيدا؛ إذ تشير تحليلات عوامل الخطر إلى أن نحو 79.6% من عبء أمراض القلب والأوعية الدموية عالميا يرتبط بعوامل يمكن تعديلها أو الوقاية منها، وفي مقدمتها ارتفاع ضغط الدم الانقباضي، والنظام الغذائي غير الصحي، وارتفاع مستويات الكوليسترول الضار، وتلوث الهواء.

كما ساهم ارتفاع مؤشر كتلة الجسم ومستويات الغلوكوز في الدم أثناء الصيام، إلى جانب انخفاض النشاط البدني، في زيادة العبء الصحي، بينما عوّض تراجع استهلاك التبغ جزءا من هذه الزيادة.

أمراض القلب في العالم العربي

لا تبدو المنطقة العربية بعيدة عن هذا الاتجاه العالمي، بل تواجه تحديات خاصة تجعل السيطرة على أمراض القلب والأوعية الدموية أكثر إلحاحا. ففي معظم دول جامعة الدول العربية، تمثل هذه الأمراض السبب الرئيسي للوفاة، كما تعد من أكبر أسباب فقدان سنوات الحياة الصحية.

وتكشف بيانات عبء المرض العالمي عن مفارقة مهمة عند مقارنة معدلات الوفيات الموحدة حسب العمر بالمعدلات الخام.

فمن جهة، شهد خطر الوفاة من أمراض القلب والسكتة الدماغية بالنسبة للفرد تحسنا واضحا. وانخفض معدل الوفيات الموحد حسب العمر بسبب مرض القلب الإقفاري من 299.5 وفاة لكل 100 ألف شخص عام 1990 إلى 240.3 وفاة عام 2023، بتراجع يقارب 20%.

كما كان الانخفاض أكثر وضوحا في السكتة الدماغية، إذ تراجع المعدل من 224.1 إلى 120.5 وفاة لكل 100 ألف شخص، أي بنحو 46%.

لكن هذه الصورة الإيجابية نسبيا لا تعني بالضرورة انخفاض الضغط الواقع على الأنظمة الصحية.

لماذا ترتفع أعداد المرضى رغم تحسن معدلات الوفاة؟

تكمن الإجابة في النمو السكاني والتغير الديموغرافي. فالمعدل الموحد حسب العمر يعزل تأثير التغير في التركيبة السكانية، ويقيس بصورة أفضل خطر الوفاة عند أعمار مختلفة. أما العدد الإجمالي للوفيات والإصابات فيتأثر بعدد السكان وأعمارهم.

ومع نمو سكان الدول العربية وارتفاع متوسط أعمارهم، أصبح خطر الإصابة أو الوفاة نفسه موزعا على عدد أكبر من الأشخاص، بينهم نسبة متزايدة من كبار السن.

ولهذا يمكن أن ينخفض خطر الوفاة بالنسبة للفرد في عمر معين، بينما يرتفع في الوقت ذاته العدد الإجمالي للنوبات القلبية والسكتات الدماغية وحالات الدخول إلى المستشفيات.

ويشكل هذا الأمر تحديا مباشرا لوزارات الصحة عند التخطيط لعدد الأسرّة والمستشفيات ووحدات علاج السكتات الدماغية ومختبرات القسطرة والكوادر الطبية. فالعبء الفعلي الذي يجب على النظام الصحي التعامل معه يرتبط بعدد المرضى المتوقع وصولهم إلى المستشفيات، وليس فقط بالمعدل الإحصائي الموحد حسب العمر.

ولا يرتبط ارتفاع العبء بالديموغرافيا وحدها، إذ تتزامن هذه التحولات مع تدهور بعض عوامل الخطر، خصوصا ارتفاع معدلات السمنة واضطراب مستويات الغلوكوز في الدم.

ضغط الدم والكوليسترول.. نجاحات تحتاج إلى حماية

يظل ارتفاع ضغط الدم أحد أبرز عوامل الخطر المؤدية إلى الوفاة في المنطقة العربية، لكن البيانات تشير في الوقت نفسه إلى تحقيق تقدم ملموس في السيطرة على تأثيره.

فقد انخفض معدل الوفيات الموحد حسب العمر المرتبط بارتفاع ضغط الدم بنسبة 24.5% بين عامي 1990 و2023، من 378.3 إلى 285.7 وفاة لكل 100 ألف شخص.

ويمثل هذا الانخفاض مؤشرا على أهمية برامج الكشف المبكر والرعاية الصحية الأولية وعلاج ارتفاع ضغط الدم، لكنه لا يعني أن المشكلة أصبحت تحت السيطرة بالكامل.

وشهد ارتفاع الكوليسترول الضار، أو LDL، تراجعا أكبر، إذ انخفض معدل الوفيات المرتبط به بنحو 28.5%، من 125.1 إلى 89.5 وفاة لكل 100 ألف شخص خلال الفترة نفسها.

كما تراجع ترتيب ارتفاع LDL بين عوامل الخطر الرئيسية المسببة للوفاة إقليميا من المرتبة الثالثة عام 1990 إلى السابعة عام 2023.

لكن هذه المكاسب لا تتوزع بالتساوي بين جميع السكان أو البلدان. فهناك تفاوت واضح في مستويات التشخيص والعلاج والسيطرة على ضغط الدم والكوليسترول بين الأنظمة الصحية العربية المختلفة، وكذلك داخل البلد الواحد.

ويستفيد السكان الأكثر دخلا، وسكان المدن، والأشخاص الذين يمتلكون تغطية صحية أفضل، في العادة، من فرص أكبر للفحص والحصول على العلاج والمتابعة المنتظمة مقارنة بالفئات الفقيرة أو سكان المناطق الريفية أو غير المشمولين بالتأمين الصحي.

المشكلة الخفية في ارتفاع ضغط الدم

تكمن خطورة ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون في أنهما قد يتطوران لسنوات دون ظهور أعراض واضحة، قبل أن يظهر أثرهما في صورة أزمة قلبية أو سكتة دماغية.

وأظهرت مراجعة منهجية شملت 178 دراسة سكانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استمرار انخفاض معدلات الوعي بارتفاع ضغط الدم وتشخيصه وعلاجه والسيطرة عليه، مع تفاوت كبير بين الدول وتحسن محدود بمرور الوقت.

كما خلصت مراجعات لمسار رعاية مرضى ارتفاع ضغط الدم في المنطقة إلى وجود فجوات كبيرة تبدأ من مرحلة التشخيص، إذ لا يعرف عدد كبير من المصابين أنهم يعانون من ارتفاع الضغط، بينما لا يحصل بعض من تم تشخيصهم على العلاج المناسب أو لا يصلون إلى مستويات السيطرة المطلوبة.

ولهذا لا يكفي قياس ضغط الدم مرة واحدة أو وصف دواء ثم ترك المريض دون متابعة. فالسيطرة الفعالة تتطلب فحوصا دورية، وتعديل العلاج عند الحاجة، ومراقبة الالتزام بالأدوية، إلى جانب تغييرات مستمرة في نمط الحياة.

السمنة والسكري.. الخطر الصاعد

في مقابل التحسن في بعض عوامل الخطر التقليدية، تتحرك السمنة وارتفاع مستويات السكر في الاتجاه المعاكس.

فقد أصبح ارتفاع مؤشر كتلة الجسم ثاني أكبر عامل خطر للوفاة على المستوى الإقليمي خلال الفترة الممتدة بين 1990 و2023، متجاوزا تلوث الجسيمات الدقيقة وارتفاع كوليسترول LDL.

وارتفع معدل الوفيات الموحد حسب العمر المنسوب إلى ارتفاع مؤشر كتلة الجسم بنسبة 27.2%، من 107.1 إلى 136.2 وفاة لكل 100 ألف شخص.

كما ارتفع المعدل المرتبط بارتفاع مستوى الغلوكوز في بلازما الدم أثناء الصيام بنسبة 13.9%، من 112.0 إلى 127.6 وفاة لكل 100 ألف شخص خلال الفترة نفسها.

أما داء السكري نفسه، فقد ارتفع معدل الوفيات الموحد حسب العمر المرتبط به من 28.3 وفاة لكل 100 ألف شخص عام 1990 إلى 34.7 وفاة عام 2023، بزيادة بلغت نحو 22.7%.

وتزداد أهمية هذه الأرقام لأن السمنة والسكري لا يؤثران في القلب بصورة منفصلة، بل يرتبطان بمجموعة واسعة من عوامل الخطر الأخرى، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم واضطراب الدهون ومقاومة الإنسولين وتلف الأوعية الدموية.

وبذلك، فإن ارتفاع معدلات السمنة والسكري يمكن أن يقلل من المكاسب التي تحققت خلال العقود الماضية في مجال السيطرة على ضغط الدم والكوليسترول.

التدخين يتراجع.. لكن المشكلة لم تنته

يقدم التدخين صورة أكثر إيجابية نسبيا، إذ تراجع معدل الوفيات الموحد حسب العمر المرتبط به بنسبة 27.1% بين 1990 و2023، من 93.7 إلى 68.3 وفاة لكل 100 ألف شخص.

كما أصبح التدخين ثامن أكبر عامل خطر إقليمي للوفاة، وهو ما يعكس أثرا إيجابيا لجهود مكافحة التبغ.

غير أن هذا التقدم لا يعني انتهاء المشكلة، إذ لا تزال معدلات التدخين مرتفعة في بعض الدول والمدن والفئات الاجتماعية، كما يمثل تدخين الشيشة تحديا خاصا في عدد من المجتمعات العربية.

وتبقى مكافحة التبغ إحدى أكثر الأدوات فاعلية للحد من أمراض القلب والأوعية الدموية، خصوصا عندما تترافق مع برامج الوقاية من السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم.

المعادلة الصحية الجديدة

تكشف هذه البيانات أن معركة أمراض القلب في العالم العربي لا يمكن اختزالها في توفير مزيد من المستشفيات وأجهزة القسطرة ووحدات علاج السكتات الدماغية، رغم أهمية هذه الخدمات.

فالجزء الأكبر من العبء يرتبط بعوامل يمكن التدخل فيها قبل وصول المريض إلى المستشفى، مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسمنة والسكري والتدخين والنظام الغذائي وقلة النشاط البدني.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية والكشف المبكر وإدارة عوامل الخطر قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل من الاكتفاء بالتعامل مع مضاعفات المرض بعد حدوثها.

وفي الوقت نفسه، فإن التغير الديموغرافي يفرض على الأنظمة الصحية الاستعداد لعدد متزايد من المرضى حتى في حال استمرار انخفاض معدلات الوفاة الموحدة حسب العمر.

وبالتالي، فإن التحدي أمام الدول العربية يتمثل في العمل على مسارين متوازيين: الحفاظ على المكاسب التي تحققت في السيطرة على ضغط الدم والكوليسترول والتدخين، وفي الوقت نفسه وقف الصعود المتسارع للسمنة والسكري وقلة النشاط البدني.

فالبيانات تشير بوضوح إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية ليست قدرا محتوما، وأن جزءا كبيرا من العبء يمكن تجنبه أو تأخيره عبر الوقاية والتشخيص المبكر والعلاج المستمر. لكن تحقيق ذلك يتطلب أن تتحول الوقاية من شعار صحي إلى ممارسة منتظمة تبدأ من الرعاية الأولية وتمتد إلى السياسات الغذائية والبيئية ونمط الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى