الصحة

كيف تساعد الأمعاء الدماغ على تذكّر أماكن الطعام؟ دراسة تكشف مسارا عصبيا جديدا

لم تعد العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ تُفهم باعتبارها مجرد تبادل إشارات مرتبط بالجوع والشبع والهضم، إذ تكشف أبحاث حديثة عن شبكة أكثر تعقيدا يمكن أن تؤثر في التعلم والذاكرة والسلوك. وفي دراسة تجريبية حديثة، وجد باحثون أن الإشارات التي تنطلق من الجهاز الهضمي بعد وصول المغذيات قد تساعد الدماغ على تكوين ذكريات مرتبطة بالطعام ومكان العثور عليه.

فعندما يتذكر الإنسان وجبة تناولها في مطعم معين أو يستعيد موقع متجر اشترى منه طعاما مفضلا، تبدو الحواس للوهلة الأولى العامل الأساسي في تكوين تلك الذكرى. فرائحة الطعام ومذاقه ومظهره والبيئة المحيطة به كلها معلومات تستقبلها الحواس ويعالجها الدماغ.

لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن الدماغ قد يحصل على معلومات إضافية من داخل الجسم نفسه. فبعد وصول الطعام إلى الجهاز الهضمي، تبدأ الأمعاء في إرسال إشارات عصبية وهرمونية تخبر الدماغ بأن المغذيات وصلت بالفعل، وقد تسهم هذه الإشارات في تعزيز حفظ التجربة المرتبطة بالطعام في الذاكرة.

ونُشرت الدراسة في يونيو/حزيران 2026 في مجلة Nature Communications، وأجراها باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا ومؤسسات علمية أخرى. واعتمدت التجارب على ذكور الجرذان، حيث اكتشف الباحثون مسارا عصبيا يبدأ من الجهاز الهضمي، ويمر عبر العصب المبهم، ثم يصل إلى دوائر دماغية مرتبطة بالتعلم والذاكرة.

العصب المبهم.. خط اتصال بين الأمعاء والدماغ

يُعد العصب المبهم أحد أهم مسارات الاتصال بين الدماغ والأعضاء الداخلية، إذ يمتد من جذع الدماغ إلى مجموعة واسعة من أعضاء الجسم، بينها القلب والرئتان والمعدة والأمعاء.

ولا يعمل هذا العصب في اتجاه واحد فقط؛ فبينما ينقل الدماغ من خلاله إشارات لتنظيم بعض وظائف الأعضاء، ينقل أيضا معلومات حسية من الجهاز الهضمي إلى الدماغ.

وتشمل هذه المعلومات إشارات مرتبطة بوجود الطعام داخل الجهاز الهضمي، وتمدد المعدة، وطبيعة بعض المغذيات التي وصلت إلى الأمعاء.

وكان الدور المعروف للعصب المبهم يرتبط بدرجة كبيرة بتنظيم عملية الهضم والشهية والشعور بالشبع. إلا أن نتائج الدراسة تشير إلى أن تأثيره يمكن أن يمتد إلى وظائف معرفية أكثر تعقيدا، ومنها تكوين ذكريات مرتبطة بتجربة تناول الطعام.

وركز الباحثون بصورة خاصة على الحُصين، وهي منطقة دماغية أساسية في تكوين الذكريات والتعلم، كما ترتبط بقدرة الكائن على تحديد المواقع والتنقل داخل البيئة المحيطة.

الأسيتيل كولين.. إشارة تساعد الدماغ على تسجيل التجربة

وجد الباحثون أن تناول الطعام أدى لدى الجرذان إلى ارتفاع إفراز مادة الأسيتيل كولين داخل الحُصين الظهري.

والأسيتيل كولين ناقل عصبي تستخدمه الخلايا العصبية في عملية التواصل، وله أدوار مهمة في الانتباه والتعلم والمرونة العصبية وتكوين الذكريات الجديدة.

وبعبارة مبسطة، قد يعمل ارتفاع مستوى هذه المادة أثناء تناول الطعام كإشارة تجعل الدماغ أكثر استعدادا لتسجيل المعلومات المرتبطة بالتجربة.

واللافت أن الزيادة في الأسيتيل كولين لم تتوقف مباشرة مع انتهاء الوجبة، بل استمرت لفترة من الوقت بعدها، وهو ما يشير إلى أن الإشارات الصادرة من الجهاز الهضمي قد لا تقتصر على لحظة تناول الطعام، وإنما يمكن أن تمتد إلى الفترة التي تلي الوجبة، وهي فترة مهمة في عمليات تثبيت الذاكرة.

واختبر الباحثون مصدر هذه الإشارة من خلال تعطيل العصب المبهم أسفل الحجاب الحاجز، فاختفت الزيادة الطبيعية في الأسيتيل كولين داخل الحُصين.

وحدث تأثير مشابه عندما أزال العلماء مجموعة من الخلايا العصبية الكولينية الموجودة في منطقة الحاجز الإنسي، وهي خلايا تنتج الأسيتيل كولين وترسل امتداداتها إلى الحُصين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى سلسلة اتصال متكاملة: تبدأ بوصول المغذيات إلى الجهاز الهضمي، ثم تنتقل الإشارة عبر العصب المبهم، وبعدها تنشط الخلايا الكولينية المرتبطة بالحُصين، مما يؤدي إلى زيادة الأسيتيل كولين والمساهمة في معالجة المعلومات المرتبطة بتجربة الطعام.

هل الذاكرة تستجيب لمذاق الطعام أم لقيمته الغذائية؟

طرح الباحثون سؤالا مهما آخر: هل كان النشاط العصبي الذي رصدوه سببه المذاق اللذيذ للطعام، أم أن الدماغ كان يستجيب فعليا للمغذيات والطاقة التي وصلت إلى الجهاز الهضمي؟

وأظهرت التجارب أن تناول الدهون أو السكريات أدى إلى استجابة واضحة في المسار المرتبط بالذاكرة، بينما لم تنتج السوائل الحلوة منخفضة السعرات أو الخالية منها الاستجابة العصبية نفسها.

وتشير هذه النتيجة إلى أن الطعم وحده لم يكن كافيا لتفسير النشاط الذي رصده الباحثون.

فالفم ينقل إلى الدماغ معلومات عن مذاق الطعام، بينما يبدو أن الجهاز الهضمي يضيف معلومات أخرى حول القيمة الغذائية الفعلية لما تم تناوله.

ومن منظور تطوري، قد تكون لهذه الآلية أهمية كبيرة. فالكائن الذي يستطيع تذكّر المكان الذي عثر فيه على غذاء غني بالطاقة أو المغذيات يصبح أكثر قدرة على العودة إلى المكان نفسه عند الحاجة إلى الطعام.

وبذلك يمكن أن تتحول تجربة تناول وجبة ذات قيمة غذائية مرتفعة إلى ذاكرة مكانية تساعد على توجيه السلوك مستقبلا.

تجربة تكشف علاقة الأمعاء بالذاكرة المكانية

لم يعتمد الباحثون على قياس التغيرات الكيميائية في الدماغ فقط، بل اختبروا أيضا السلوك الفعلي للجرذان.

وتناولت الحيوانات الطعام داخل موقع مخفي في متاهة، ثم خضعت لاحقا لاختبار لمعرفة قدرتها على تذكر المكان الذي عثرت فيه على الوجبة.

وكان أداء الجرذان التي عُطّل لديها العصب المبهم أضعف في تذكر موقع الطعام. كما ظهر ضعف مشابه لدى الحيوانات التي أزيلت لديها الخلايا المنتجة للأسيتيل كولين والمرتبطة بالحُصين.

وتعزز هذه النتائج فكرة أن المسار العصبي بين الجهاز الهضمي والدماغ ليس مجرد استجابة جانبية ترافق تناول الطعام، بل قد يكون له دور فعلي في تكوين الذاكرة المرتبطة بمكان الحصول على الغذاء.

لماذا يؤدي النظام الغذائي الغني بالدهون والسكريات إلى نتيجة عكسية؟

كشفت الدراسة أيضا عن نتيجة تبدو للوهلة الأولى متناقضة.

ففي التجارب قصيرة المدى، أدى تناول الدهون والسكريات إلى تنشيط المسار العصبي المرتبط بالذاكرة. لكن التعرض المزمن لنظام غذائي غني بهذه العناصر أدى إلى نتيجة مختلفة تماما.

فالجرذان التي تعرضت في مرحلة مبكرة من حياتها لنظام غذائي غربي مرتفع الدهون والسكريات أظهرت لاحقا ضعفا في الاتصال بين الجهاز الهضمي والحُصين، إلى جانب انخفاض استجابة الأسيتيل كولين بعد تناول الطعام وتراجع الأداء في اختبار تذكر موقع الوجبة.

والأكثر لفتا أن بعض هذه التغيرات استمر حتى بعد انتقال الحيوانات إلى نظام غذائي صحي في مرحلة البلوغ.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض بين النتائج. فالاستجابة التي تحدث عقب تناول مادة غذائية في وجبة واحدة تختلف عن تأثير اتباع نمط غذائي غير متوازن لفترة طويلة.

وقد تؤدي المغذيات إلى تنشيط المسار العصبي بصورة حادة بعد تناول الوجبة، بينما يؤدي التعرض المزمن لكميات مرتفعة من الدهون والسكريات إلى إضعاف حساسية هذا المسار أو تغيير طريقة عمله.

هرمون الشبع يدخل على خط الذاكرة

بحث العلماء كذلك في دور الكوليسيستوكينين، وهو هرمون تفرزه الأمعاء عندما تصل إليها المغذيات، ولا سيما الدهون والبروتينات.

ويرتبط هذا الهرمون بصورة أساسية بتنظيم عملية الهضم وتعزيز إشارات الشبع التي تنتقل عبر العصب المبهم.

لكن التجارب أظهرت أن إعطاء الكوليسيستوكينين أدى إلى زيادة نشاط الأسيتيل كولين في الحُصين.

وعندما قطع الباحثون العصب المبهم، أو أزالوا الخلايا الكولينية الموجودة في الحاجز الإنسي، اختفت هذه الاستجابة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الهرمونات التي تؤدي وظائف معروفة في الهضم والشبع قد تكون مرتبطة أيضا، بصورة غير مباشرة، بآليات التعلم والذاكرة.

الأمعاء كجهاز استشعار غذائي للدماغ

تضيف هذه الدراسة حلقة جديدة إلى مفهوم محور الأمعاء والدماغ، الذي أصبح من المجالات النشطة في علم الأعصاب وعلم وظائف الأعضاء.

فالجهاز الهضمي لا يبدو مجرد مكان يستقبل الطعام ويهضمه ثم يمتص مكوناته، وإنما يعمل أيضا كنظام استشعار يراقب ما يصل إليه من مغذيات ويرسل معلومات عنها إلى الجهاز العصبي.

ووفق النتائج التجريبية، يمكن لهذه المعلومات أن تصل إلى دوائر دماغية مسؤولة عن التعلم والذاكرة، وربما تساعد الكائن على الربط بين القيمة الغذائية للطعام والمكان الذي حصل فيه عليه.

ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن هذه النتائج جاءت من تجارب على الجرذان، ولذلك لا يمكن اعتبارها دليلا مباشرا على أن الآلية نفسها تعمل بالطريقة ذاتها لدى البشر. لكنها تقدم دليلا تجريبيا مهما على وجود علاقة عصبية أكثر تعقيدا بين الجهاز الهضمي والذاكرة، وتفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية لمعرفة مدى انطباق هذه الآلية على الإنسان.

وفي النهاية، توحي الدراسة بأن تذكرنا للطعام ومكان الحصول عليه قد لا يكون نتاج العين والأنف واللسان والدماغ وحدها، بل قد تكون الأمعاء نفسها جزءا من عملية تسجيل التجربة؛ إذ لا تخبر الدماغ فقط بأننا تناولنا الطعام، وإنما قد ترسل إليه أيضا معلومات عن ما إذا كان الطعام يستحق أن نتذكره.

زر الذهاب إلى الأعلى