الأخبار الدولية

حل «قسد» يضع ملف السويداء أمام اختبار جديد.. هل تتراجع أهمية ورقة الهجري؟

أعاد إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، الثلاثاء، عن حل القوات واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات تعقيدا في المشهد السوري، وهو الوضع في محافظة السويداء وموقف الزعيم الدرزي حكمت الهجري والمجموعات المسلحة المرتبطة به.

وتصدر ملف السويداء نقاشات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ رأى مدونون ومحللون أن التوصل إلى صيغة لدمج قسد في مؤسسات الدولة قد يفتح الطريق أمام معالجة الملفات الداخلية الأخرى، وفي مقدمتها الوضع في السويداء، الذي يرتبط بصورة مباشرة بالتطورات الإقليمية والموقف الإسرائيلي من جنوب سوريا.

السويداء.. آخر الملفات المعقدة

اعتبر عدد من السوريين أن ملف السويداء يمثل أحد أبرز الملفات الداخلية التي لا تزال تنتظر حلا سياسيا وأمنيا، خصوصا في ظل استمرار التوتر بين دمشق وحكمت الهجري والمجموعات المسلحة التابعة له.

ويرى هؤلاء أن تعقيد الملف لا يرتبط بالعوامل المحلية فقط، وإنما يتداخل بصورة كبيرة مع الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، ما يجعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر صعوبة من الملفات الأخرى.

وفي المقابل، رأى آخرون أن تجربة قسد يمكن أن تقدم مؤشرا على إمكانية الوصول إلى ترتيبات تحفظ وحدة الأراضي السورية، بعدما انتقلت القوات التي كانت تطرح في بداياتها مشروعا يقوم على إقامة كيان مستقل يعرف باسم «روج آفا»، إلى خيار الاندماج في مؤسسات الدولة.

وبحسب هذه الرؤية، فإن إدارة أبناء المنطقة للشؤون الخدمية في الحسكة، إلى جانب انتشار قوى الأمن العام من أبناء المحافظة، قد تمثل نموذجا يمكن البناء عليه في معالجة بعض الملفات المحلية ضمن إطار الدولة السورية.

مصير مشروع حكمت الهجري

أثار التطور المتعلق بقسد تساؤلات بشأن مستقبل حكمت الهجري، أحد أبرز الزعامات الدرزية في السويداء، والمجموعات المسلحة التي تقف إلى جانبه.

ويرى منتقدون للهجري أن سقف المطالب الممكن تحقيقها سيبقى مرتبطا بوحدة الدولة السورية، وأن أي مشروع يتجاوز ذلك، بما في ذلك الحديث عن إقامة كيان مستقل في السويداء تحت مسمى «باشان»، لا ينسجم مع الواقع السياسي والجغرافي للمحافظة.

وفي هذا السياق، رأى ناشطون أن تجربة قسد أظهرت حدود المشاريع التي تتجه نحو الانفصال، مشيرين إلى أن القوات التي كانت تسيطر على مساحة واسعة من الأراضي السورية انتهت إلى خيار الاندماج في مؤسسات الدولة.

العلاقة مع إسرائيل

وتبرز إسرائيل باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل ملف السويداء، خصوصا في ظل التصريحات والمواقف المنسوبة إلى حكمت الهجري بشأن علاقته بها.

ويرى محللون أن الهجري يرفع سقف المواجهة السياسية إلى مستوى قد يجعل خيارات التسوية أكثر صعوبة، خصوصا بعد تصريحات اعتبر فيها أن مصيره مرتبط بإسرائيل من الناحيتين العقائدية والفكرية.

لكن بعض المدونين طرحوا سيناريو مختلفا يقوم على احتمال تغير الحسابات الإسرائيلية نفسها.

فإسرائيل، وفق هذه القراءة، قد تفضل في مرحلة معينة التوصل إلى تفاهم مباشر مع دمشق إذا تمكنت من الحصول على ضمانات أمنية في الجنوب السوري، والحفاظ على الهدوء على الحدود، ومنع أي تهديدات مستقبلية.

وفي هذه الحالة، قد تتراجع أهمية الاعتماد على القوى المحلية في السويداء باعتبارها ورقة ضغط، إذا أصبح الاتفاق المباشر مع دمشق أكثر فائدة بالنسبة إلى تل أبيب.

هل يتحول الهجري إلى ورقة تفاوض؟

يرى أصحاب هذه القراءة أن القوى المحلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي تواجه خطرا عندما يبدأ الطرف الداعم في التفاوض مباشرة مع الدولة التي تواجهها تلك القوى.

ففي هذه الحالة، قد ينتقل الطرف المحلي من كونه لاعبا أساسيا في المعادلة إلى مجرد ورقة يمكن استخدامها ضمن المفاوضات الأوسع.

ومن هذا المنظور، يمكن تفسير تصريحات الهجري باعتبارها محاولة للتذكير بأهمية ملف السويداء بالنسبة إلى إسرائيل، قبل أن تدخل الأخيرة في أي تفاهمات محتملة مع دمشق.

وتختصر هذه الفكرة في رسالة مفادها أن القوى الموجودة في السويداء لا تزال حاضرة، وأن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة.

مقارنة بين قسد والهجري

ذهب ناشطون إلى عقد مقارنة بين حجم نفوذ قسد سابقا والمساحة التي تسيطر عليها المجموعات المرتبطة بالهجري في السويداء.

وبحسب الأرقام المتداولة في هذا السياق، كانت قسد تسيطر على نحو ثلث مساحة سوريا، أي قرابة 60 ألف كيلومتر مربع، بينما تسيطر مجموعات الهجري على نحو ثلث مساحة محافظة السويداء، بما يقارب ألفي كيلومتر مربع.

وبناء على هذه المقارنة، فإن مساحة مناطق نفوذ قسد كانت أكبر بنحو 30 مرة من المناطق الخاضعة لسيطرة مجموعات الهجري، وهو فارق كبير من حيث المساحة والقدرة على التأثير في الجغرافيا السياسية والأمنية السورية.

ويرى أصحاب هذه المقارنة أن قبول قسد بالاندماج في مؤسسات الدولة يضع ضغوطا إضافية على بقية القوى المحلية التي تتمسك بخيارات أكثر تصادمية مع دمشق.

وحدة سوريا في مواجهة المشاريع الانفصالية

وربط ناشطون بين إعلان حل قسد وبين مستقبل المشاريع التي تقوم على إنشاء كيانات منفصلة داخل سوريا، معتبرين أن اندماج قسد في مؤسسات الدولة يمثل تحولا مهما في مسار الحفاظ على وحدة البلاد.

وبحسب هذه الرؤية، فإن الانتقال من السيطرة العسكرية والإدارة المحلية إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة يمكن أن يوفر صيغة توازن بين خصوصية المناطق المحلية وبين الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

لكن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطا بمدى قدرة دمشق على تقديم ترتيبات سياسية وإدارية وأمنية تستوعب خصوصية المناطق المختلفة، وتضمن في الوقت نفسه عدم تحول الترتيبات المحلية إلى مشاريع انفصال.

اختبار جديد للسويداء

يضع التطور المتعلق بقسد ملف السويداء أمام مرحلة جديدة، إذ لم يعد السؤال مقتصرا على مستقبل العلاقة بين دمشق والهجري، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بمستقبل الحسابات الإسرائيلية في الجنوب.

فإذا استمرت إسرائيل في دعم القوى المحلية المناوئة لدمشق، فقد يبقى الملف مفتوحا أمام مزيد من التوتر. أما إذا تغيرت أولوياتها واتجهت نحو تفاهمات مباشرة مع الحكومة السورية، فقد تجد القوى المحلية نفسها أمام واقع سياسي جديد يفرض عليها إعادة حساباتها.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن تجربة قسد ستظل حاضرة في النقاش حول مستقبل السويداء، خصوصا أن انتقالها من مشروع إدارة مستقلة إلى الاندماج في مؤسسات الدولة يمثل سابقة مهمة في مسار إعادة تشكيل الدولة السورية.

ويبقى مستقبل حكمت الهجري والمجموعات المسلحة في السويداء مرتبطا بتطورات أوسع من حدود المحافظة، تشمل شكل العلاقة بين دمشق والقوى المحلية، وطبيعة التفاهمات الإقليمية، وموقف إسرائيل من مستقبل الجنوب السوري.

زر الذهاب إلى الأعلى