الأخبار الدولية

هل أصبحت سوريا آمنة بعد عام ونصف من سقوط نظام الأسد؟ وما فرص نجاح الاستثمارات؟

بعد مرور عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، يبرز سؤال محوري يفرض نفسه على المشهد السوري: هل أصبحت البلاد آمنة بما يكفي لبدء مرحلة التعافي الحقيقي واستقطاب الاستثمارات؟

يمثل الأمن الركيزة الأساسية لأي عملية إعادة إعمار أو نهوض اقتصادي، إذ لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو انتعاش اقتصادي أو عودة واسعة لرؤوس الأموال في ظل استمرار التحديات الأمنية، مهما بلغت مستويات الدعم الدولي.

دعم سياسي مستمر رغم التحديات الأمنية

شهدت دمشق خلال يوليو/تموز 2026 سلسلة تفجيرات تزامنت مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، كما سبقتها عملية مشابهة قرب القصر العدلي في العاصمة.

ورغم ذلك، لم تؤثر هذه الأحداث في الموقف الغربي الداعم للحكومة السورية، إذ أصر ماكرون على تنفيذ زيارته وفق البرنامج المقرر، بينما أعلنت باريس توقيع اتفاقيات اقتصادية مع دمشق والعمل على إعادة نحو 51 مليون يورو من الأموال المصادرة التابعة لعائلة الأسد.

ويعكس هذا الموقف قناعة لدى الدول الغربية بأن مسار دعم سوريا سياسياً واقتصادياً يجب أن يستمر بالتوازي مع معالجة التحديات الأمنية، لا أن يتوقف بسببها.

كما عززت دمشق تعاونها الأمني مع شركائها الدوليين بعد انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش أواخر عام 2025، لتصبح العضو التسعين في هذا التحالف.

المشهد الأمني بين التقدم والثغرات

حققت الحكومة السورية تقدماً ملحوظاً في إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد انهيار أجهزة النظام السابق، مستفيدة من فرصة تأسيس منظومة جديدة بعيداً عن البنية الإدارية والأمنية القديمة.

لكن هذه الجهود واجهت تحديات كبيرة، من بينها:

  • استمرار التوتر في بعض المناطق.
  • تداعيات دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
  • أزمة السويداء.
  • التوترات في الساحل السوري.
  • الضربات الإسرائيلية المتكررة.
  • العمليات الإرهابية والتفجيرات.

كما شهدت البلاد خلال الفترة الماضية حوادث أمنية متعددة، شملت تفجيرات وعمليات اغتيال وخطف وقصف ومواجهات مسلحة، ما يشير إلى أن المشهد الأمني لا يزال بعيداً عن الاستقرار الكامل.

ورغم ذلك، تؤكد المؤشرات وجود تطور واضح في أداء الأجهزة الأمنية، وإن كانت ما تزال تواجه فراغات وثغرات تسمح بوقوع اختراقات أمنية بين حين وآخر.

تحديات بناء المنظومة الأمنية

لا تزال المؤسسات الأمنية السورية في مرحلة البناء، وهو ما يفرض تحديات تتعلق بالخبرة المؤسسية وإدارة الملفات الأمنية المعقدة في بلد خرج من حرب طويلة.

ومن أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة:

  • تطوير العمل المؤسسي وتعزيز الشفافية الإدارية والمالية.
  • مكافحة الفساد داخل المؤسسات الأمنية.
  • رفع كفاءة الكوادر البشرية.
  • تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية.

وتعد مكافحة الفساد من أهم عوامل نجاح المنظومة الجديدة، خاصة أن الفساد كان أحد أبرز أسباب ضعف مؤسسات الدولة خلال المرحلة السابقة.

أولويات المرحلة المقبلة

يرى مراقبون أن نجاح الاستقرار الأمني يتطلب تنفيذ مجموعة من الإجراءات الأساسية، أبرزها:

  • تعزيز الرقابة على الحدود، خاصة مع لبنان والعراق، لمنع تهريب السلاح والمخدرات والأفراد.
  • توسيع التعاون الأمني الإقليمي والدولي للحصول على الدعم التقني والاستخباراتي.
  • استكمال دمج جميع الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، بما يكرس احتكار الدولة لاستخدام السلاح.
  • تنفيذ برامج واسعة لجمع السلاح المنتشر خارج المؤسسات الرسمية.
  • ترسيخ العدالة الانتقالية وتعزيز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي.
  • إطلاق حوارات مجتمعية تسهم في بناء عقد اجتماعي جديد يحد من الانقسامات الطائفية والإثنية والمناطقية.

هل أصبحت سوريا جاهزة للاستثمار؟

رغم استمرار التحديات الأمنية، فإن البيئة السياسية تبدو أكثر استقراراً مقارنة بالسنوات الماضية، مدعومة بانفتاح إقليمي ودولي متزايد ورغبة معلنة في دعم إعادة الإعمار.

وفي المقابل، يبقى نجاح الاستثمارات مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرة الحكومة على تقليص الفجوات الأمنية وتعزيز سيادة القانون وتوفير بيئة مستقرة تحمي المستثمرين والمشروعات الاقتصادية.

كما أن استمرار الدعم الدولي والتعاون الأمني مع الشركاء الإقليميين والدوليين قد يسهم في تسريع عملية بناء المؤسسات الأمنية ورفع جاهزيتها، بما يعزز فرص الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة التنمية المستدامة.

وفي المجمل، تبدو سوريا اليوم أكثر استقراراً مما كانت عليه بعد سقوط النظام، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الأمني الكامل. ومع ذلك، فإن المؤشرات السياسية والدولية الحالية توحي بأن مسار التعافي يمضي قدماً، وأن تحسين البيئة الأمنية سيظل العامل الحاسم في نجاح إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى