الصحة

الحروب الحديثة وتحول المياه إلى سلاح صامت لصناعة الأوبئة والأزمات الصحية

لم تعد آثار الحروب تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة أو الدمار العسكري، بل أصبحت الأزمات الصحية الممتدة أحد أخطر تداعيات النزاعات المعاصرة، خاصة مع استهداف البنية التحتية المدنية وفي مقدمتها شبكات المياه والصرف الصحي.

ومع توسع رقعة الصراعات في السنوات الأخيرة، تحولت المياه النظيفة وخدمات النظافة والصحة العامة إلى خط الدفاع الأول الذي ينهار بسرعة، ما يخلق بيئات مثالية لانتشار الأمراض المعدية والأوبئة، خصوصًا بين النازحين والأطفال وكبار السن.

وتؤكد تقديرات صحية دولية أن الدول المتأثرة بالنزاعات تتحمل النصيب الأكبر من عبء الأمراض الوبائية عالميًا، بما يشمل الكوليرا والحصبة والتهاب السحايا، إلى جانب ارتفاع الوفيات التي يمكن تجنبها في الظروف الطبيعية.

في قطاع غزة، أدى تدمير واسع للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي إلى انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، حيث تضررت أو خرجت عن الخدمة غالبية المنشآت، وتراجعت قدرة آبار المياه ومحطات التحلية، ما دفع السكان للاعتماد على مصادر غير آمنة. وقد رافق ذلك ارتفاع كبير في الأمراض المعدية، مع تسجيل آلاف حالات الاشتباه بأمراض خطيرة مثل التهاب السحايا، وسط تحذيرات من أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى.

أما في السودان، فقد ساهمت الحرب في تدمير شبكات المياه والكهرباء في عدد كبير من الولايات، ما أدى إلى تراجع خدمات المياه وانتشار الأوبئة، وعلى رأسها الكوليرا، التي سجلت عشرات آلاف حالات الاشتباه وآلاف الوفيات، إضافة إلى تفشي أمراض أخرى مثل الملاريا والحصبة وحمى الضنك.

وتشير دراسات علمية موسعة إلى أن الحروب تخلق بيئة مثالية لعودة وانتشار الأمراض بسبب تدمير البنية التحتية، والنزوح الجماعي، وتكدس المخيمات، وانهيار أنظمة التطعيم، ونقص الغذاء والدواء، وتراكم النفايات.

ويرى خبراء الصحة أن تدهور خدمات المياه لا يعني فقط انقطاع الإمداد، بل يتحول إلى عامل مباشر لنقل الأمراض عبر التلوث وانعدام النظافة، ما يضاعف احتمالات تفشي الأوبئة بشكل يصعب السيطرة عليه.

ومع استمرار النزاعات، يتشكل نمط جديد من المخاطر، حيث لا تنتهي الحرب عند توقف إطلاق النار، بل تمتد آثارها لسنوات طويلة عبر أزمات صحية مزمنة، قد تعيد ظهور أمراض كانت شبه منقرضة، وتضع الأمن الصحي العالمي أمام تحديات متزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى