ازدهار مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يصطدم بهشاشة البنية التحتية العالمية

تحوّل قطاع مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي إلى واحد من أكثر القطاعات التقنية ربحية خلال الفترة الأخيرة، مدفوعًا بالطلب المتسارع على تطبيقات الذكاء الاصطناعي واعتمادها المباشر على قدرات الحوسبة الضخمة. إلا أن هذا الازدهار الاقتصادي ترافق مع مؤشرات واضحة على هشاشة البنية التي يقوم عليها القطاع، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الأخيرة.
وأشارت تقارير دولية إلى أن شركات التقنية أبرمت خلال نهاية عام 2025 صفقات ضخمة لبناء أكثر من 100 مركز بيانات جديد، بتكلفة تجاوزت 61 مليار دولار، ما يعكس المكانة المحورية التي أصبحت تحتلها هذه المنشآت في الاقتصاد الرقمي العالمي.
لكن الحرب الأخيرة على إيران سلطت الضوء على المخاطر التي تهدد هذا القطاع، بعدما تسببت في تعطيل مشاريع تطوير وبناء مراكز بيانات داخل الولايات المتحدة وخارجها، من بينها مشروع “ستارغيت” الأمريكي الذي يستهدف استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار، إضافة إلى مشروع مماثل في أبوظبي تموله جهات استثمارية محلية.
نقاط ضعف بنيوية
تعتمد مراكز البيانات بطبيعتها على وجودها في مواقع جغرافية ثابتة، ما يجعلها عرضة للهجمات العسكرية أو الاستهداف غير المباشر للبنية التحتية المحيطة بها، مثل شبكات الكهرباء وكابلات الإنترنت الدولية.
كما أن هذه المنشآت تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات سببًا مباشرًا في توقفها أو تراجع كفاءتها التشغيلية.
وقد أظهرت تقارير متخصصة أن استهداف بعض مراكز البيانات التابعة لشركات عالمية في منطقة الخليج أدى إلى اضطرابات امتدت إلى خدمات رقمية خارج المنطقة، ما يؤكد الترابط الحساس بين هذه المرافق والاقتصاد العالمي.
رهان على الطاقة البديلة
في مواجهة هذه التحديات، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في البحث عن حلول أكثر استدامة لتشغيل مراكز البيانات بعيدًا عن الشبكات التقليدية.
وتعمل شركات مثل غوغل على تطوير مفاعلات نووية مصغرة لتوفير الطاقة اللازمة لمراكزها مستقبلاً، فيما دخلت شركات صناعية كبرى مثل رولز رويس سباق المفاعلات المعيارية الصغيرة، أملاً في تقديم بدائل مستقرة للطاقة.
أما مايكروسوفت، فاتجهت إلى مشاريع تعتمد على الطاقة المائية، بحيث تستخدم المياه في توليد الكهرباء وتبريد الخوادم في الوقت نفسه.
مواقع غير تقليدية
تواجه الشركات أيضًا أزمة التبريد، إذ تحتاج الخوادم إلى درجات حرارة منخفضة للحفاظ على الكفاءة التشغيلية، بينما أُنشئت آلاف المراكز في مناطق مناخية غير ملائمة.
ودفع ذلك بعض الجهات إلى دراسة بناء مراكز بيانات في القطب الجنوبي للاستفادة من البرودة الطبيعية، في حين يجري الحديث عن مراكز بيانات فضائية مرتبطة بالأقمار الصناعية لتجاوز القيود الأرضية.
ورغم الطابع المستقبلي لهذه المشاريع، فإنها تعكس حجم التحديات التي تواجه النموذج التقليدي لمراكز البيانات.
معضلة الإنترنت
تبقى نقطة الضعف الأبرز هي الاتصال بالشبكة العالمية. فمعظم مراكز البيانات تعتمد على الكابلات البحرية لنقل البيانات، وهي بنية معرضة للأعطال أو الاستهداف أو التلف الطبيعي.
وقد أثبتت حوادث انقطاع الكابلات البحرية في السنوات الماضية مدى تأثير هذه الأعطال على الإنترنت العالمي، فيما لا تزال البدائل الفضائية غير قادرة حتى الآن على توفير السرعات والسعات المطلوبة لتشغيل مراكز البيانات العملاقة.
مستقبل القطاع
يطرح الواقع الحالي سؤالًا استراتيجيًا حول جدوى مواصلة الاستثمار في مراكز بيانات تقليدية ضخمة، من دون تطوير حلول أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية والمناخية والتقنية.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد البيانات وحدها مصدر القوة، بل أصبحت البنية التي تحتضنها جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.







