دراسة عالمية تكشف تراجعاً كبيراً في انتشار إسهال الأطفال رغم استمرار التفاوتات الإقليمية
نشر باحثون من وايل كورنيل للطب–قطر دراسة شاملة في الدورية الطبية eBioMedicine التابعة لمجموعة The Lancet، قدّموا من خلالها رؤى علمية جديدة وغير مسبوقة حول إسهال الأطفال، الذي يُعدّ أحد أبرز أسباب وفيات الأطفال عالمياً.
ولا يزال إسهال الأطفال يشكّل تحدياً صحياً كبيراً، إذ يحتل المرتبة الثالثة بين أسباب وفيات الأطفال حول العالم، متسبباً في وفاة نحو 445 ألف طفل دون سن الخامسة سنوياً. وتتحمل البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط العبء الأكبر، إذ تسجّل ما يقارب 90% من هذه الوفيات. وإضافةً إلى مخاطره المباشرة، يعيق الإسهال النمو الجسدي والمعرفي للأطفال، ويزيد من سوء التغذية، ويشكّل عبئاً اقتصادياً وصحياً على الأسر والأنظمة الصحية.
وبناءً على تحليل دقيق شمل 593 مسحاً سكانياً وطنياً أُجريت بين عامي 1985 و2024 في 129 بلداً، أظهرت الدراسة أن انتشار إسهال الأطفال انخفض إلى النصف تقريباً خلال أربعة عقود، حيث تراجع من 22.3% في الثمانينيات إلى 10.9% في السنوات الأخيرة، بمعدل انخفاض سنوي ثابت يقارب 1%. كما سجّلت معظم مناطق العالم انخفاضاً واضحاً في الانتشار، باستثناء منطقة واحدة لم تشهد أي تحسّن، وفق ما أكّدته وايل كورنيل للطب – قطر.
ويعكس هذا التراجع تأثير مجموعة من تدخلات الصحة العامة، بما في ذلك التطعيم ضد الفيروسة العجلية (الروتا)، واستخدام محاليل الإماهة الفموية، وتشجيع الرضاعة الطبيعية، إضافة إلى مكملات فيتامين (أ)، والتحسينات الاجتماعية والاقتصادية العامة التي شهدتها العديد من البلدان.
لكن النتائج كشفت كذلك عن فوارق إقليمية حادة؛ فقد سُجّل أعلى معدلات انتشار في المنطقة الأفريقية، بينما كانت أوروبا الأقل من حيث الانتشار والأكبر من حيث وتيرة الانخفاض. أما منطقة شرق المتوسط، فقد بقيت خارج مسار التحسن العالمي، إذ لم يظهر فيها أي تراجع ملموس خلال العقود الأربعة الماضية.
ولفهم العوامل المؤثرة في انتشار المرض، ابتكر الباحثون مؤشراً جديداً أسموه “مؤشر الحالة الاجتماعية والاقتصادية وتغذية الطفل”، يساعد على تتبع التقدم الصحي المرتبط بانخفاض انتشار الإسهال. وأظهر المؤشر أن البلدان ذات المستويات الأعلى في تعليم الأمهات، والتغذية الجيدة للأطفال، وتوفر مياه شرب آمنة ومرافق صحية مناسبة، تسجّل أدنى معدلات انتشار للمرض. ويؤكد ذلك أن إسهال الأطفال ليس مشكلة صحية فقط، بل مؤشر قوي على الوضع الاجتماعي والاقتصادي العام.
وقال زهير تاج، المؤلف الأول للدراسة واختصاصي البحوث في مجموعة وبائيات الأمراض المعدية بوايل كورنيل للطب–قطر:
“تعكس نتائج الدراسة قصة نجاح صحية عالمية؛ فملايين الأطفال باتوا أكثر صحة مما كانوا عليه قبل أربعة عقود. ومع ذلك، يبيّن استمرار ارتفاع المعدلات في المناطق المهمشة أن التقدّم لم يكن متوازناً بين مختلف أقاليم العالم. وللقضاء على وفيات الأطفال التي يمكن تجنبها، نحتاج إلى استثمارات مستدامة في المياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم وأمن الغذاء، إضافة إلى تعزيز الاستجابة لحالات الطوارئ المرتبطة بالنزاعات”.
من جانبه، قال الدكتور ليث أبو رداد، المؤلف الرئيس للدراسة وأستاذ علوم الصحة السكانية:
“يمثّل إسهال الأطفال تحدياً صحياً وعنواناً لعدم المساواة في الوقت ذاته. فهو يتراجع حيثما تتقدم المجتمعات، ويستمر في حصد الأرواح في المناطق التي تتعثر فيها التنمية أو تتأثر بالنزاعات. إنها معركة صحية وإنمائية لم تُحسم بعد”.
وقد أُعدت الدراسة، بعنوان:
“انتشار إسهال الأطفال عالمياً ومحدداته: تقييم منهجي تِلْوي (1985–2024)”
بدعم من برنامج التدريب المتخصص في بحوث الطب الحيوي، ومختبر الإحصاءات البيولوجية والوبائيات والرياضيات الحيوية في وايل كورنيل للطب–قطر.







