الأخبار الدولية

اختراق روسي للأجواء الرومانية يعيد الجدل حول حدود رد الناتو

أعادت حادثة سقوط مسيّرة روسية داخل الأراضي الرومانية وإصابتها مبنى سكنيا في مدينة غالاتي القريبة من الحدود الأوكرانية فتح النقاش مجددا حول حدود رد حلف شمال الأطلسي “الناتو” على تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022، خاصة عندما يتعلق الأمر باستهداف دولة عضو في الحلف.

وأكدت وزارة الدفاع الرومانية أن الطائرة المسيّرة الروسية اخترقت المجال الجوي للبلاد قبل أن تصيب مبنى سكنيا، في أول حادثة من نوعها تؤدي إلى استهداف منشأة مدنية داخل رومانيا منذ اندلاع الحرب.

ورغم تسجيل حوادث سابقة لتوغلات مسيّرات روسية داخل الأجواء الرومانية خلال السنوات الماضية، فإن التطور الأخير اعتُبر الأكثر حساسية، نظرا لوقوعه داخل منطقة سكنية مأهولة، ما أثار مخاوف متزايدة من انتقال تداعيات الحرب إلى عمق الأراضي الأوروبية.

وبينما تُعد رومانيا عضوا في حلف الناتو، فإن المؤشرات الحالية لا توحي باتجاه الحلف نحو تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك، في ظل حرصه على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو قد تؤدي إلى اتساع رقعة النزاع.

ويُرجح مراقبون أن يلجأ الحلف إلى تفعيل المادة الرابعة من معاهدة الدفاع المشترك بدلا من الخامسة، باعتبارها تمنح الدول الأعضاء مساحة للتحرك السياسي والعسكري دون الانخراط في حرب مفتوحة.

ما الفرق بين المادتين الرابعة والخامسة؟

تشكل المادة الخامسة الركيزة الأساسية لعقيدة “الدفاع الجماعي” داخل حلف الناتو، إذ تنص على اعتبار أي اعتداء على دولة عضو هجوما يستهدف جميع أعضاء الحلف، ما يفتح الباب أمام رد جماعي عسكري وسياسي.

ويعتبر الناتو هذه المادة أساس إستراتيجيته الدفاعية، حيث تستند إليها خطط الردع والمناورات العسكرية وانتشار القوات الدائمة في مناطق التوتر.

وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، لم تُفعّل المادة الخامسة سوى مرة واحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة.

لكن في حالة رومانيا، لا تبدو الظروف الحالية كافية لتفعيل هذا البند، خاصة أن بعض التفسيرات داخل الحلف ترى أن تطبيق المادة الخامسة يرتبط بوجود هجوم متواصل أو تهديد واسع النطاق، وليس حادثة منفردة حتى وإن كانت خطيرة.

في المقابل، تنص المادة الرابعة على عقد مشاورات عاجلة بين الدول الأعضاء عندما تشعر إحدى الدول بأن أمنها أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي معرض للخطر.

ورغم أن المادة الرابعة لا تعني الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، فإنها غالبا ما تترجم إلى خطوات عملية تشمل رفع الجاهزية العسكرية وتعزيز الدفاعات الجوية وزيادة الوجود العسكري على الحدود الشرقية للحلف.

ويرى مسؤولون في الناتو أن هذا النوع من التحركات يحمل رسائل ردع واضحة إلى موسكو، خاصة أن الحلف سبق أن استخدم المادة الرابعة في محطات حساسة مرتبطة بالحرب الأوكرانية.

وفي أعقاب الحادثة، أعلن الناتو تضامنه الكامل مع رومانيا، فيما أجرى الأمين العام للحلف مارك روته اتصالا بالرئيس الروماني نيكوسور دان، مؤكدا التزام الحلف بحماية أراضي أعضائه وتعزيز دفاعات الجناح الشرقي.

متى لجأ الناتو إلى المادة الرابعة؟

فعّل حلف الناتو المادة الرابعة تسع مرات منذ تأسيسه عام 1949، بينها ثلاث مرات خلال الحرب الروسية الأوكرانية الحالية.

وجرى أول تفعيل بعد اندلاع الحرب مباشرة عام 2022، قبل أن يعاد استخدامها مرتين خلال سبتمبر/أيلول 2025، الأولى إثر اختراق مسيّرات روسية الأجواء البولندية، والثانية بعد دخول مقاتلات روسية المجال الجوي لإستونيا.

وأفضت معظم تلك المشاورات إلى تعزيز الانتشار العسكري للحلف في أوروبا الشرقية، ضمن سياسة تهدف إلى طمأنة الدول الأعضاء وردع أي تحركات روسية محتملة.

ومن أبرز نتائج تلك التحركات إطلاق عملية “الحارس الشرقي” التي جاءت عقب طلب بولندا عقد مشاورات طارئة بموجب المادة الرابعة.

هل يقترب الناتو من تغيير قواعد الاشتباك؟

تعكس حادثة رومانيا حجم القلق الأوروبي المتصاعد من احتمالية تمدد الحرب الروسية الأوكرانية إلى أراضي دول الناتو، في ظل تكرار حوادث اختراق المسيّرات والصواريخ قرب الحدود الشرقية للحلف والاتحاد الأوروبي.

ورغم تمسك الناتو بسياسة تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، فإن تكرار هذه الحوادث بدأ يفرض ضغوطا متزايدة على الحلف لإعادة تقييم إستراتيجية الردع الحالية.

ويرى مراقبون أن استمرار الاختراقات قد يدفع الناتو مستقبلا إلى تشديد قواعد التعامل مع أي تهديد روسي، وربما إعادة النظر في آليات تطبيق المادة الخامسة باعتبارها أداة ردع أكثر صرامة.

ومع ذلك، لا يزال الحلف حتى الآن يوازن بين إظهار التضامن مع أعضائه ومنع انزلاق أوروبا إلى مواجهة عسكرية واسعة مع موسكو، وهو ما يبقي السؤال مطروحا بشأن مدى قدرة الناتو على ردع روسيا دون الدخول في حرب مباشرة معها.

زر الذهاب إلى الأعلى