الصحة

أطفال السكري في غزة يواجهون الموت بين الجوع والإنسولين منتهي الصلاحية

بيد مرتجفة، تحقن الفلسطينية نهاوند جحا طفلها أمير بجرعته اليومية من الإنسولين، بينما تحدق بعينين مثقلتين بالخوف في تاريخ الصلاحية المنتهي منذ أشهر على العبوة الصغيرة. تدرك الأم أن الدواء قد فقد فاعليته وربما يشكل خطرا على حياة طفلها، لكنها لا تملك بديلا في ظل الحصار وانهيار القطاع الصحي في غزة.

في القطاع المحاصر، لم يعد السؤال يدور حول توفر العلاج، بل حول ما إذا كان استخدام دواء منتهي الصلاحية أقل خطرا من ترك المرضى يواجهون الموت دون علاج.

داخل منزل متصدع في مدينة غزة، لم تنجُ جدرانه من آثار القصف ولا زواياه من الرطوبة، تراقب نهاوند بصمت معاناة طفلها ذي الأعوام العشرة، الذي يخوض معركة يومية مع مرض السكري وسط ظروف إنسانية وصحية قاسية.

وتقول الأم إن طفلها يشتهي الفواكه والخضروات التي يحتاجها جسده المنهك، لكن ما يتوفر في المنزل لا يتجاوز بعض المعلبات التي تصفها بأنها “سموم مغلفة” بالنسبة لطفل مصاب بالسكري.

وتضيف بحسرة أن الأزمة لا تتعلق فقط بانتهاء صلاحية الإنسولين، بل أيضا بفساد كميات كبيرة منه نتيجة انقطاع الكهرباء المستمر، ما يؤدي إلى تخزينه في درجات حرارة غير مناسبة تفقده فاعليته العلاجية.

وفي خيمة متواضعة وسط مدينة غزة، تعيش الفلسطينية نور الصفدي مع طفلها ماجد، البالغ من العمر سبعة أعوام، فصلا آخر من المعاناة ذاتها.

تقول نور إن طفلها اعتاد على الحقن أكثر مما اعتاد اللعب، موضحة أن الحياة داخل الخيمة، مع غياب الغذاء الصحي والمياه النظيفة وأجهزة قياس السكر، جعلت مرض السكري يتحول إلى تهديد يومي لحياة ابنها.

وأكدت أن اضطرارها لاستخدام إنسولين منتهي الصلاحية أو ضعيف الفاعلية يزيد من تدهور حالة طفلها الصحية، حيث يعاني باستمرار من الصداع والخمول وارتفاع مستويات السكر في الدم.

وأضافت أن العائلة تفتقر إلى أي مصدر دخل يمكنها من شراء الطعام المناسب أو توفير مستلزمات العلاج الأساسية، مطالبة بتدخل دولي عاجل لإدخال الأدوية وإنقاذ الأطفال المرضى في غزة.

ووفقا لتقرير صادر عن Ministry of Health in Gaza في مارس/آذار الماضي، فإن ما بين 70 و80 ألف مريض سكري في قطاع غزة يواجهون خطرا حقيقيا نتيجة النقص الحاد في الإنسولين وشرائط فحص السكر، إلى جانب انهيار خدمات الرعاية الصحية وسوء التغذية.

كما سبق أن حذرت World Health Organization ومنظمة Human Rights Watch من أن نقص الإنسولين يهدد حياة المرضى ويعرضهم لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الغيبوبة والوفاة.

وفي حديثه عن الوضع الصحي في القطاع، كشف استشاري الغدد الصماء والسكري عدلي الغوطي أن نحو 2500 طفل في غزة مصابون بالسكري من النوع الأول، ويعتمدون بشكل كامل على الإنسولين للبقاء على قيد الحياة.

وأوضح أن هؤلاء الأطفال يواجهون تحديات تتجاوز المرض نفسه، أبرزها سوء التغذية، وصعوبة حفظ الإنسولين في درجات حرارة مناسبة بسبب انقطاع الكهرباء، إضافة إلى غياب الغذاء الصحي الضروري لتفادي المضاعفات الحادة.

وحذر الطبيب من أن استخدام الإنسولين في ظل الجوع الشديد قد يؤدي إلى نوبات هبوط حادة ومضاعفات قاتلة، خاصة لدى الأطفال الذين لا يجدون وجبات غذائية كافية بعد تلقي الجرعات.

كما أشار إلى أن انتهاء صلاحية الإنسولين أو فساده بسبب سوء التخزين يفقده فعاليته، ما يجعل الحقن المتكررة مجرد ألم بلا جدوى علاجية.

وأكد الغوطي أن أخطر ما في الأمر هو أن استخدام إنسولين ضعيف الفاعلية يمنح العائلات شعورا زائفا بالأمان، بينما تبقى مستويات السكر مرتفعة في أجساد الأطفال، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإصابة بالحماض الكيتوني السكري، وهي حالة طارئة قد تكون قاتلة في ظل انهيار المنظومة الصحية وصعوبة الوصول إلى المستشفيات.

زر الذهاب إلى الأعلى