أوروبا تسعى لمنافسة ستارلينك بشبكة إنترنت فضائي مستقلة بحلول 2029

تسارع أوروبا جهودها لتعزيز استقلالها التقني وتقليص اعتمادها على الشركات الأمريكية، في مسعى يشمل مجالات متعددة، من الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية إلى أنظمة تشغيل الحواسيب وشبكات الاتصالات الفضائية. وفي هذا السياق، تعمل القارة على تطوير شبكة إنترنت فضائي قادرة على منافسة خدمة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس».
ومن المقرر أن تبدأ الخطط الأوروبية لتوسيع خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التابعة لشركة «وان ويب» في عام 2029، على أن يكتمل المشروع بحلول عام 2032، رغم أن الشركة بدأت بالفعل إطلاق أقمار صناعية منخفضة المدار لدعم شبكتها.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مساعي أوروبا لبناء بنية تحتية رقمية أكثر استقلالية، وتقليل اعتماد الحكومات والمؤسسات الحيوية على خدمات الاتصالات التي تديرها شركات أمريكية.
«يوتلسات» و«وان ويب» في مواجهة ستارلينك
تُعد «وان ويب» جزءاً من مجموعة «يوتلسات» الأوروبية، التي استحوذت عليها عام 2023 في صفقة بلغت قيمتها نحو 3.4 مليارات دولار، بهدف تعزيز حضورها في سوق الاتصالات الفضائية ومنافسة «سبيس إكس»، الشركة المالكة لشبكة «ستارلينك» التي أسسها رجل الأعمال إيلون ماسك.
وتتمتع ستارلينك بتفوق واضح من حيث حجم البنية التحتية، إذ تضم شبكتها نحو 10 آلاف قمر صناعي منخفض المدار، ما يتيح لها توفير خدمات الإنترنت في مناطق واسعة حول العالم.
في المقابل، تمتلك «وان ويب» نحو 560 قمراً صناعياً، وهو فارق يعكس حجم التحديات التي تواجه الشركة الأوروبية في سعيها إلى تقليص الفجوة مع منافستها الأمريكية وتوسيع نطاق خدماتها.
ويأتي المشروع الأوروبي في وقت تتزايد فيه أهمية الاتصالات الفضائية بالنسبة إلى الحكومات والمؤسسات العسكرية والقطاعات الاقتصادية، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى شبكات اتصال أرضية موثوقة.
مخاوف أوروبية من الاعتماد على قرارات إيلون ماسك
تتجاوز دوافع أوروبا لمنافسة ستارلينك الاعتبارات التجارية، إذ ترتبط أيضاً بمخاوف من تركيز قدر كبير من البنية التحتية للاتصالات الفضائية في يد شركة خاصة واحدة.
وفي مقابلة مع صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، أشار الرئيس التنفيذي لشركة «يوتلسات»، جان فرانسوا فالاشيه، إلى المخاوف المرتبطة بقدرة إيلون ماسك على التأثير في إتاحة خدمات ستارلينك، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الدول والجهات التي تعتمد عليها.
وتعززت هذه المخاوف بعد تصريحات ماسك بشأن اعتماد أوكرانيا على الشبكة الفضائية، إذ أشار إلى أن خطوط الدفاع الأوكرانية قد تنهار إذا قرر قطع خدمات ستارلينك عنها، وفق ما نقلته التقارير الإعلامية.
وتسلط هذه الواقعة الضوء على المخاطر التي قد تنشأ عندما تعتمد دول أو مؤسسات حيوية على خدمة اتصالات يسيطر عليها مزود واحد، خصوصاً خلال النزاعات والأزمات.
كما تثير التطورات السياسية في الولايات المتحدة تساؤلات أوروبية بشأن استمرارية الوصول إلى التقنيات الأمريكية، وإمكانية فرض قيود على بعض الخدمات لأسباب سياسية أو أمنية.
ويبرز في هذا السياق الجدل حول قدرة الحكومات على ضمان استمرار الاتصالات في الظروف الاستثنائية، ومدى حاجتها إلى امتلاك بدائل مستقلة تقلل من تأثير القرارات الخارجية على بنيتها التحتية الرقمية.
شبكة موجهة إلى الحكومات والمؤسسات بدلاً من الأفراد
على خلاف ستارلينك، التي تستهدف الأفراد والشركات والحكومات من خلال خدمات تجارية واسعة الانتشار، تركز «وان ويب» بدرجة أكبر على تزويد الحكومات والمؤسسات والشركات بخدمات الاتصالات الفضائية.
ويتيح هذا التوجه للشركة التركيز على عدد أقل نسبياً من العملاء، مع تقديم حلول اتصال مخصصة للاستخدامات الحكومية والمؤسسية، ولا سيما في حالات الطوارئ والأزمات التي تتعرض فيها شبكات الاتصالات التقليدية للانقطاع.
كما يساعد نموذج الأعمال هذا على إبرام عقود طويلة الأجل مع الحكومات والمؤسسات، بما يوفر للشركة قدراً أكبر من الاستقرار في الإيرادات والطلب على خدماتها.
ولا يتطلب هذا النموذج بالضرورة الوصول إلى العدد نفسه من الأقمار الصناعية التي تحتاج إليها شبكة تستهدف ملايين المستخدمين الأفراد، لكنه يفرض في المقابل متطلبات تتعلق بجودة الخدمة والموثوقية والتغطية والأمن.
وتسعى «يوتلسات» إلى تطوير شبكة حديثة تستجيب لاحتياجات هذه الفئات، مع إمكانية توسيع نطاق خدماتها التجارية مستقبلاً إذا توافرت الظروف التقنية والاقتصادية المناسبة.
أقمار صناعية جديدة لتوسيع التغطية الأوروبية
تخطط «يوتلسات» لتطوير منظومتها الفضائية من خلال إطلاق أقمار صناعية إضافية، ضمن برنامج يستهدف رفع العدد الإجمالي لأقمار المجموعة إلى نحو 1300 قمر بحلول عام 2034، وفقاً للتقارير المتعلقة بالمشروع.
وتشمل الخطط تطوير شبكة «آيرس-2»، التي يُتوقع أن تضم نحو 440 قمراً صناعياً، إلى جانب إطلاق 229 قمراً إضافياً بحلول عام 2034، بما يرفع إجمالي عدد الأقمار المستهدف إلى نحو 1319 قمراً.
وتهدف هذه التوسعات إلى تحسين قدرات الاتصال وتوفير خدمات فضائية أكثر تطوراً، مع تعزيز قدرة الشبكة على تلبية احتياجات الحكومات والشركات والمؤسسات التي تتطلب اتصالاً موثوقاً في مختلف الظروف.
ومن شأن زيادة عدد الأقمار الصناعية أن تساعد على توسيع التغطية وتحسين مرونة الشبكة، لكن نجاح المشروع سيعتمد أيضاً على كفاءة التشغيل وتوافر المحطات الأرضية والأسعار المناسبة للعملاء المستهدفين.
أمازون تدخل سباق الإنترنت الفضائي
لا تقتصر المنافسة في سوق الإنترنت الفضائي على أوروبا و«سبيس إكس»، إذ تستعد شركة أمازون الأمريكية لتعزيز حضورها في القطاع من خلال مشروع «كايبر»، الذي يستهدف إنشاء شبكة اتصالات تجارية تعتمد على الأقمار الصناعية منخفضة المدار.
وتخطط أمازون لإطلاق نحو 5 آلاف قمر صناعي ضمن المشروع، بهدف توفير خدمات إنترنت فضائي تنافس ستارلينك وتستقطب الأفراد والشركات والمؤسسات المختلفة.
ويعكس دخول أمازون إلى هذا المجال تنامي الاهتمام التجاري بالاتصالات الفضائية، مع توقعات بارتفاع الطلب على الإنترنت عالي السرعة في المناطق النائية والمواقع التي يصعب ربطها بالبنية التحتية الأرضية التقليدية.
وفي الوقت نفسه، تدرس «وان ويب» إمكانية التوسع نحو تقديم خدمات مباشرة للمستهلكين، إلا أن هذه الخطوة قد تتطلب تطوير أجيال أحدث من الأقمار الصناعية وتوفير معدات وباقات بأسعار تنافسية.
وتشير تقديرات نقلتها تقارير متخصصة إلى إمكانية تضاعف حجم سوق الإنترنت الفضائي خمس مرات بحلول عام 2033، وهو ما قد يجذب مزيداً من الشركات للاستثمار في هذا القطاع.
هل تستطيع أوروبا تقليص الفجوة مع ستارلينك؟
تستند المنافسة مع ستارلينك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها حجم الشبكة وانتشارها الجغرافي وسرعة الاتصال وتكلفة الاشتراكات وسهولة الحصول على الخدمة.
وقد استفادت ستارلينك من انتشار أقمارها الصناعية واتساع قاعدة مستخدميها، إلى جانب قدرتها على تقديم خدمات تجارية للأفراد في مناطق عديدة حول العالم.
أما «وان ويب»، فتعتمد على استراتيجية مختلفة تركز على الحكومات والشركات والمؤسسات التي تحتاج إلى اتصالات موثوقة، بما يتيح لها تقديم حلول مصممة وفق متطلبات العملاء، بدلاً من منافسة ستارلينك مباشرة في جميع الأسواق.
لكن دخول سوق الأفراد سيشكل تحدياً إضافياً للشركة الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بتكلفة الاشتراكات والأجهزة اللازمة للاتصال بالشبكة.
ووفقاً لتقرير موقع «أوربيتال رادار» المتخصص في خدمات الإنترنت الفضائي، تتجاوز تكلفة بعض باقات «وان ويب» ألف دولار شهرياً، مع تكاليف أولية للمعدات تصل إلى نحو 10 آلاف دولار، مقارنة بباقات ستارلينك التي أشار التقرير إلى أن سعر إحداها يبلغ نحو 110 دولارات شهرياً، مع تكلفة أولية تقارب 600 دولار.
وتعكس هذه الفجوة اختلاف طبيعة الخدمات والفئات المستهدفة، إذ تركز «وان ويب» على الاستخدامات المؤسسية والحكومية التي قد تتطلب تجهيزات متقدمة ومستويات خدمة خاصة.
وبينما تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها الرقمي وتقليل اعتمادها على الشركات الأمريكية، ستتوقف قدرة «يوتلسات» على منافسة ستارلينك على مدى نجاحها في توسيع شبكتها، وتحسين خدماتها، وتطوير نموذج اقتصادي قادر على تلبية احتياجات الحكومات والمؤسسات، مع إمكانية التوسع لاحقاً نحو سوق المستهلكين.







