الصحة

تقنيات تنظيف الوجه غير الجراحية.. فعالية حقيقية أم وعود تجميلية؟

شهدت تقنيات تنظيف الوجه والعناية بالبشرة من دون تدخل جراحي انتشارا متزايدا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة برغبة متنامية في تحسين مظهر الجلد واستعادة نضارته من دون الخضوع لإجراءات جراحية طويلة أو فترات تعافٍ مرهقة.

وتعتمد هذه التقنيات على مزيج من الأساليب التقليدية والوسائل الحديثة لإزالة الأوساخ والزيوت والشوائب وبقايا مستحضرات التجميل المتراكمة على سطح البشرة، مع الاستعانة بمواد فعالة وتقنيات تقشير تساعد على التخلص من الخلايا الميتة وتحسين ملمس الجلد.

وتشير التوقعات إلى أن سوق تقنيات الوجه غير الجراحية قد ينمو بنسبة 15.4% خلال الفترة بين عامي 2023 و2030، في ظل توسع الإقبال على الإجراءات التجميلية الأقل تدخلا.

من تنظيف البشرة إلى التقنيات الحديثة

الاهتمام بتنظيف الجلد ليس ظاهرة حديثة، بل يعود إلى عصور قديمة، عندما استخدم الإنسان وسائل بدائية مثل الأحجار وقطع العظام للمساعدة في تنظيف الجلد وتقشيره.

ومع تطور الحضارات، ظهرت وسائل أكثر تقدما للعناية بالبشرة، ومن بينها الصابون الذي تشير المصادر التاريخية إلى أن بدايات استخدامه تعود إلى الحضارة السومرية قبل نحو 2000 عام من الميلاد.

أما الصابون بالشكل القريب من صورته الحديثة، فقد بدأ تصنيعه في القرن التاسع عشر، وتحديدا عام 1884 في شمال إنجلترا.

ومع ازدياد الاهتمام بالعناية بالبشرة، انتقل التطور من التنظيف التقليدي إلى إجراءات طبية وتجميلية أكثر تخصصا، كان من أبرزها التقشير الكيميائي.

كيف تطورت تقنيات التقشير؟

بدأ استخدام التقشير الكيميائي في عام 1871، عندما لجأ أطباء إلى محاليل تحتوي على الفينول بهدف إزالة الطبقات السطحية من الجلد.

ثم ظهرت عام 1953 تقنية كشط الجلد أو “ديرمابرايشن”، التي اعتمدت على أدوات ميكانيكية لإزالة الطبقات الخارجية من البشرة، ومنها فرش دقيقة وأقراص دوارة مزودة برؤوس ماسية.

وفي عام 1985 تطورت هذه الطريقة إلى ما يعرف بالكشط الدقيق للجلد أو “مايكرو ديرمابرايشن”، باستخدام جهاز محمول يوجه بلورات دقيقة نحو سطح البشرة، بهدف إزالة الخلايا الميتة والطبقة السطحية من الجلد بطريقة أكثر دقة.

وشكل عام 2005 محطة مهمة في هذا المسار، بعدما طورت شركة Edge System LLC الأمريكية تقنية جمعت بين التقشير الميكانيكي والكيميائي، وهي الطريقة التي أصبحت تعرف لاحقا باسم “هيدرافيشيال”.

ومع مرور نحو عقدين على انتشار هذه التقنية، يطرح تطورها سؤالا أساسيا: إلى أي مدى تنجح هذه الإجراءات فعلا في تحقيق النتائج التي يروج لها؟ وما المخاطر التي قد ترافق استخدامها؟

كيف يعمل التقشير الكيميائي؟

يقوم التقشير الكيميائي على وضع مواد محددة على الجلد بهدف إحداث تغير محسوب في الطبقة الخارجية للبشرة، بما يساعد على التخلص من الخلايا المتقرنة وتحفيز عملية تجدد الجلد.

وتؤدي هذه العملية إلى استجابة التهابية منظمة تحفز إطلاق مجموعة من السيتوكينات والكيموكينات، وهو ما يمكن أن يساهم في تنشيط إنتاج الكولاجين والإيلاستين وتجدد خلايا البشرة.

وبمرور الوقت، يمكن لهذه التغيرات أن تساعد على تحسين ملمس الجلد ومظهره وزيادة سماكته، لكن النتيجة تختلف باختلاف نوع البشرة وتركيبة المادة المستخدمة وعمق التقشير.

وتستخدم هذه الإجراءات في عدد من الأغراض، من بينها تخفيف التصبغات والتجاعيد وتحسين مظهر البشرة، فضلا عن المساعدة في علاج حب الشباب وآثاره من خلال إزالة الخلايا الميتة والدهون المتراكمة داخل المسام.

ثلاثة مستويات للتقشير

يقسم التقشير الكيميائي عادة بحسب عمقه إلى ثلاثة مستويات رئيسية.

التقشير السطحي: يستهدف الطبقة الخارجية من الجلد، أي البشرة أو الـEpidermis، ويستخدم عادة لتحسين الملمس ومعالجة بعض التصبغات والمشكلات السطحية.

التقشير المتوسط: يمتد تأثيره من البشرة إلى جزء من الأدمة الحليمية، ويستخدم في حالات تتطلب تأثيرا أعمق من التقشير السطحي.

التقشير العميق: يصل إلى الطبقات الأعمق من الأدمة، ويعد إجراء أكثر قوة ويحتاج إلى تقييم طبي دقيق قبل إجرائه.

وتختلف المواد الكيميائية المستخدمة وفقا للهدف من العلاج. ويعد حمض الغليكوليك من المواد الشائعة في التعامل مع التصبغات وبعض علامات تقدم البشرة في العمر، بينما تستخدم أحماض الساليسيليك والمانديليك والبيروفيك في بعض أنواع التقشير السطحي، خصوصا لتحسين البشرة والمساعدة في التعامل مع حب الشباب وآثاره.

أما الإجراءات الأعمق، فقد تستخدم مواد مثل محلول جيسنر وحمض ثلاثي كلورو الأسيتيك المعروف اختصارا بـTCA، إضافة إلى ما يعرف بالتقشير الأصفر، وذلك وفقا لحالة البشرة والنتيجة المطلوبة.

دراسة تكشف تحسنا ملحوظا في حب الشباب

لا تقتصر الأدلة المتعلقة بالتقشير الكيميائي على الجانب التجميلي، فقد تناولت دراسات علمية مدى قدرته على تحسين بعض المشكلات الجلدية، ومنها حب الشباب.

وفي عام 2025، أجرى باحثون من جامعة سيليزيا الطبية في بولندا دراسة شملت 20 مريضا تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما، وكانوا يعانون من حب الشباب بدرجات خفيفة إلى متوسطة.

وخضع المشاركون لجلسات باستخدام التقشير الأصفر، حيث تلقى كل منهم جلستين يفصل بينهما أربعة أسابيع، ثم جرى تقييم حالتهم بعد مرور شهرين على الجلسة الثانية.

وأظهرت النتائج انخفاض عدد الآفات الالتهابية بنسبة 85%، إلى جانب تحسن في مظهر الندبات البارزة بنسبة 20%، فضلا عن ارتفاع مستوى ترطيب البشرة وتحسن أداء الحاجز الواقي للجلد.

وتشير هذه النتائج إلى إمكانية الاستفادة من بعض أنواع التقشير الكيميائي في تحسين حالات جلدية محددة، إلا أن صغر حجم الدراسة يجعل من الضروري التعامل مع نتائجها بحذر وعدم تعميمها على جميع الأشخاص أو جميع أنواع البشرة.

ماذا يحتوي التقشير الأصفر؟

يعتمد التقشير الأصفر على تركيبة تجمع عددا من الأحماض والمواد الفعالة، بحيث تستهدف البشرة من أكثر من جانب في الوقت نفسه.

وتشمل أبرز مكوناته الريتينول وحمض الأزيليك وحمض الساليسيليك وحمض الغليكوليك، إلى جانب حمضي الكوجيك والفيتيك.

وتعمل هذه المكونات بصورة متفاوتة على تقشير الجلد، وتقليل الالتهاب ونشاط بعض أنواع البكتيريا، والتحكم في إفراز الدهون، فضلا عن المساعدة في تخفيف التصبغات وتحسين مظهر البشرة.

لكن فعالية أي إجراء لتقشير الجلد لا تعتمد على المادة المستخدمة وحدها، بل تتأثر أيضا بتركيزها ومدة وضعها على البشرة ونوع الجلد والمشكلة المراد علاجها، وهو ما يجعل التقييم المتخصص عاملا مهما في تحديد الإجراء المناسب.

هل تعني النتائج الجيدة أن هذه التقنيات آمنة للجميع؟

رغم أن الإجراءات غير الجراحية غالبا ما ترتبط بفترة تعاف أقصر مقارنة بالتدخلات الجراحية، فإن ذلك لا يعني خلوها من المخاطر.

ويزداد احتمال حدوث المضاعفات عند استخدام مواد التقشير الكيميائي بصورة عشوائية أو بتركيزات غير مناسبة، وقد يؤدي الاستخدام المنزلي الخاطئ إلى حروق أو جروح أو تغيرات في لون الجلد، وفي بعض الحالات قد تترك آثارا طويلة الأمد أو ندبات.

لذلك فإن اختيار نوع التقشير وعمقه وتركيز المادة يجب أن يرتبط بحالة البشرة والهدف من العلاج، خصوصا عندما يكون الإجراء متوسطا أو عميقا.

وبذلك تبدو تقنيات تنظيف وتقشير الوجه الحديثة قادرة على تحقيق فوائد ملموسة في حالات معينة، لكنها ليست حلا سحريا لجميع مشكلات البشرة، كما أن النتائج الإيجابية التي تظهر في بعض الدراسات لا تعني بالضرورة أن الإجراء مناسب لكل شخص.

زر الذهاب إلى الأعلى