تقنية

الذكاء الاصطناعي يدخل عالم الموسيقى.. من يملك حقوق الأغاني التي تصنعها الخوارزميات؟

دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي مرحلة جديدة في صناعة الموسيقى، بعدما أصبحت منصات متخصصة قادرة على إنتاج أغنية متكاملة خلال دقائق، بدءا من كتابة الكلمات وصياغة الألحان، وصولا إلى الأداء الصوتي والتوزيع والمؤثرات.

ومع الانتشار المتسارع لمنصات مثل سونو وأوديو، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تجريبية داخل مختبرات شركات التكنولوجيا، بل أصبح حاضرا في صميم صناعة الموسيقى. لكن هذا التطور السريع فتح في المقابل نزاعا قانونيا متصاعدا حول ملكية الأعمال التي تنتجها الخوارزميات، والجهة التي يحق لها الحصول على عوائدها.

هل تكفي الأوامر النصية لامتلاك الأغنية؟

في الولايات المتحدة، قدم مكتب حقوق الطبع والنشر إجابة مهمة بشأن الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن العمل الذي يتم إنشاؤه بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يحصل في صورته الحالية على حماية حقوق الطبع والنشر.

في المقابل، يمكن أن تحظى الأجزاء التي تتضمن إسهاما إبداعيا بشريا كافيا بالحماية القانونية، بما في ذلك الأعمال التي يضيف إليها الإنسان عناصر أصلية أو يجري عليها تعديلات إبداعية، أو يختار ويرتب مخرجات الذكاء الاصطناعي بطريقة تنطوي على قدر كاف من الإبداع.

وبالتالي، فإن مجرد كتابة أمر نصي للمنصة، مثل طلب إنتاج أغنية روك حزينة بصوت نسائي، ثم الحصول على مقطع موسيقي كامل، لا يعني تلقائيا أن الشخص الذي كتب الأمر أصبح صاحب حقوق الطبع والنشر للعمل الناتج.

وتزداد فرص الحماية كلما كان الدور البشري أكثر وضوحا، سواء من خلال كتابة الكلمات، أو تأليف أجزاء من اللحن، أو إجراء تعديلات جوهرية، أو اختيار وترتيب عناصر الناتج بطريقة إبداعية.

النزاع الأكبر يبدأ من بيانات التدريب

لكن الجدل القانوني لا يتركز فقط على الأغاني التي تنتجها النماذج، بل يمتد إلى الأعمال الموسيقية التي تستخدم لتدريب تلك النماذج.

فأنظمة توليد الموسيقى تحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات كي تتعلم الأنماط الموسيقية والبنية اللحنية وخصائص الأداء وغيرها من العناصر. وهذا دفع أصحاب الحقوق وشركات التسجيل إلى طرح سؤال أساسي: هل يحق لشركات الذكاء الاصطناعي استخدام أعمال موسيقية محمية بحقوق الطبع والنشر في تدريب نماذجها دون الحصول على تراخيص أو دفع مقابل لأصحابها؟

ولم يعد السؤال نظريا، إذ تحول إلى نزاعات أمام المحاكم في الولايات المتحدة وأوروبا.

حكم ألماني يضع سونو أمام اختبار قانوني

في ألمانيا، رفعت جمعية غيما (GEMA)، التي تمثل أصحاب حقوق الموسيقى، دعوى قضائية ضد شركة سونو، متهمة المنصة باستخدام تسجيلات موسيقية محمية في تدريب نموذجها للذكاء الاصطناعي.

وتتمحور القضية حول استخدام أعمال موسيقية معروفة ضمن المواد التي استندت إليها عملية تدريب النموذج، بينما قدمت سونو دفوعها القانونية في مواجهة الاتهامات.

وفي 31 يوليو/تموز الماضي، أصدرت محكمة في ميونيخ حكما خلص إلى أن سونو انتهكت حقوق الطبع والنشر من خلال استخدام أغان محمية دون الحصول على التراخيص اللازمة.

وألزمت المحكمة الشركة بالكشف عن الأرباح المرتبطة بهذا الاستخدام، إلى جانب دفع تعويضات لم تكن قيمتها قد حُددت في ذلك الوقت، في حين أعلنت سونو أنها تدرس إمكانية استئناف الحكم.

ويكتسب القرار أهمية تتجاوز القضية نفسها، لأنه يضع مسألة استخدام الموسيقى المحمية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أمام القضاء بصورة مباشرة، وقد يشكل عاملا مؤثرا في نزاعات مشابهة خلال الفترة المقبلة.

شركات الموسيقى الكبرى تدخل المعركة

لم تقتصر المواجهة القانونية على سونو، إذ صعدت شركة سوني ميوزك إنترتينمنت نزاعها مع منصة أوديو في الولايات المتحدة، من خلال دعوى جديدة اتهمت فيها الشركة الناشئة بانتهاك حقوق الطبع والنشر المتعلقة بأعمال موسيقية.

وتكشف هذه التحركات عن تغير واضح في موقف قطاع الموسيقى من الذكاء الاصطناعي. فشركات التسجيل لا تبدو معارضة بالضرورة لاستخدام التكنولوجيا الجديدة، لكنها تسعى إلى إخضاع الأعمال الموسيقية المستخدمة في تدريب النماذج لنظام واضح من التراخيص والمقابل المالي.

وبذلك تريد الصناعة أن تعامل الموسيقى المستخدمة في تدريب النماذج باعتبارها محتوى له قيمة اقتصادية وحقوق ملكية، وليس مجرد بيانات متاحة للاستخدام غير المحدود.

ملايين الأغاني قد تضغط على الفنانين

إلى جانب النزاع حول حقوق الملكية، يبرز تحد آخر يتعلق بتأثير وفرة المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي على الفنانين والعوائد المالية في قطاع الموسيقى.

فمع قدرة الأدوات الجديدة على إنتاج أعداد هائلة من الأغاني خلال فترات قصيرة، يمكن أن تمتلئ منصات البث بملايين الأعمال الجديدة، الأمر الذي يزيد صعوبة وصول الموسيقى التي ينتجها الفنانون البشر إلى الجمهور، ويضاعف المنافسة على الاستماع والإيرادات.

وأشار مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي إلى تقديرات تفيد بوجود نحو 170 مليون مقطع موسيقي مولد بالذكاء الاصطناعي، محذرا من أن هذا الكم الهائل من المحتوى يمكن أن يؤدي إلى تقليص الحصة التي يحصل عليها المبدعون البشريون من عوائد سوق الموسيقى.

ولا يتعلق الأمر هنا فقط بجودة الأغاني، بل بآلية توزيع الانتباه والعائد المالي، إذ إن زيادة المعروض بصورة هائلة قد تجعل الوصول إلى المستمعين أكثر صعوبة بالنسبة للفنانين الذين يعتمدون على إنتاج موسيقاهم بأنفسهم.

3 أسئلة تحدد مستقبل الموسيقى

مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى، أصبحت القضية القانونية والاقتصادية أكثر تعقيدا، ويمكن اختصار جوهرها في ثلاثة أسئلة مترابطة.

أولا: من يملك الأغنية التي تنتجها الخوارزمية؟
الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على حجم وطبيعة المساهمة البشرية في إنشاء العمل، إذ لا يكفي مجرد إعطاء الأوامر النصية في حد ذاته لإثبات التأليف البشري.

ثانيا: من يملك الموسيقى التي تعلمت منها الخوارزمية؟
وهنا تدور المعارك القضائية حول مشروعية استخدام الأعمال المحمية في تدريب النماذج، وما إذا كان ذلك يتطلب تراخيص ومقابلا ماليا لأصحاب الحقوق.

ثالثا: من يحصل على العائد عندما تتدفق ملايين الأغاني الاصطناعية إلى السوق؟
وهو السؤال الذي قد يصبح أكثر إلحاحا مع استمرار توسع أدوات إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي وتراجع تكلفة إنتاج المحتوى.

التكنولوجيا تتقدم أسرع من التشريعات

تكمن المعضلة الأساسية في أن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يجري بوتيرة أسرع من قدرة القوانين على مواكبتها. وبينما بدأت المحاكم في الولايات المتحدة وأوروبا بوضع بعض الحدود الأولية، لا تزال تفاصيل كثيرة مفتوحة أمام النقاش القانوني.

ومن أبرز هذه المسائل تحديد مقدار الإبداع البشري المطلوب حتى يصبح العمل المولد بمساعدة الذكاء الاصطناعي مؤهلا للحماية، والفصل بين استخدام التكنولوجيا كأداة إبداعية وبين إنتاج عمل بصورة شبه كاملة بواسطة الخوارزمية.

ومع استمرار توسع صناعة الموسيقى المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يتجه الصراع تدريجيا نحو بناء قواعد جديدة تحدد حقوق الفنانين وشركات التكنولوجيا ومنتجي المحتوى، وتوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الأعمال الموسيقية التي تشكل الأساس الذي تتعلم منه النماذج.

زر الذهاب إلى الأعلى