ثقافة

كم تكلف الحقيقة؟.. من يدفع فاتورة الصحافة في عصر الأخبار المجانية؟

بعد صدور كتابه “ذو فيكسر” (The Fixer)، تلقى الكاتب أسئلة كثيرة من أصدقائه حول الطريقة التي تمكن بها من استعادة هذا العدد الكبير من التفاصيل والتواريخ وتسلسل الأحداث التي تناولها في الكتاب.

وكانت الإجابة، كما يقول، أبسط مما قد يتخيله البعض.

فخلال عمله في بغداد بين عامي 1998 و2006، تولى جزءا كبيرا من الحسابات والمصروفات الخاصة بمكتب شبكة “سي بي إس نيوز”. وفي ذلك الوقت، لم يكن استخدام بطاقات الائتمان متاحا في العراق، ولذلك كانت النفقات تدفع نقدا.

وخلال السنوات الثماني، مر بين يديه ما مجموعه 19 مليونا و347 ألفا و829 دولارا و91 سنتا نقدا.

كان المبلغ ضخما، لكنه حمل معه مسؤولية أكبر؛ إذ احتفظ بنسخة من كل كشف حساب وفاتورة وإيصال، مع ترقيمها وتصنيفها بعناية داخل ملفات برتقالية اللون، كانت محفوظة في مكتب والده بالعاصمة الأردنية عمان.

الملفات البرتقالية.. ذاكرة ثماني سنوات في بغداد

لم تكن تلك الملفات مجرد وثائق محاسبية تحفظ أرقاما ومبالغ مالية، إذ كانت كل قصة صحفية تنجزها الشبكة مرتبطة بميزانية مستقلة، ما جعل الأوراق تسجل تفاصيل تتجاوز الجانب المالي.

فالتواريخ وأسماء الأشخاص وأماكن الإنفاق ومسار المهام الصحفية كانت جميعها موجودة في تلك المستندات، يوما بعد يوم.

وعندما جلس الكاتب بعد سنوات لإعداد كتابه، لم يعتمد على ذاكرته وحدها لاستعادة أحداث تلك المرحلة، بل عاد إلى الملفات البرتقالية، وراجع الوثائق واحدة تلو الأخرى، ليتحقق من التفاصيل ويرتب الأحداث وتسلسلها بدقة.

وهكذا تحولت السجلات التي أُعدت في الأصل لأغراض مالية إلى نوع آخر من الأرشيف، ساعده على إعادة بناء سنوات كاملة من العمل الصحفي في العراق والمنطقة.

لكن مبلغ الـ19 مليون دولار، رغم ضخامته، لم يكن سوى جزء محدود من التكلفة الحقيقية لإنتاج الأخبار وتغطية الأحداث في تلك الفترة.

فالمبلغ لم يشمل تذاكر السفر، ولا تكاليف البث عبر الأقمار الصناعية، ولا المعدات، ولا رواتب المراسلين والمنتجين والمصورين والفنيين، فضلا عن الأمن والحماية والتأمين وغيرها من المصروفات الضرورية للعمل في مناطق شديدة الخطورة.

وكانت كل هذه النفقات تُدفع في سبيل إنتاج تقرير صحفي قد لا تتجاوز مدته في النهاية دقيقتين على شاشة التلفزيون.

سؤال قديم عاد مع رسالة من نيويورك تايمز

عاد هذا المشهد إلى ذاكرة الكاتب عندما تلقى مؤخرا رسالة إلكترونية من صحيفة نيويورك تايمز.

فقد كان يتابع منذ فترة نشرتها الإخبارية اليومية التي تصل إلى البريد الإلكتروني، وتحمل أبرز أخبار العالم وروابط إلى التقارير التي تنشرها الصحيفة. وكانت النشرة مجانية، كما كان الوصول إلى المواد التي تقود إليها الروابط متاحا دون مقابل.

لكن الرسالة حملت تغييرا في هذه السياسة.

فالنشرة ستظل مجانية، بينما سيصبح الوصول إلى التقارير محدودا بالنسبة إلى غير المشتركين، ومن يريد قراءة عدد أكبر من المواد سيكون عليه الاشتراك في الخدمة المدفوعة.

وأدركت الصحيفة أن التغيير قد لا يلقى ترحيبا من جميع القراء، لكنها طرحت في جوهر الأمر سؤالا يبدو بسيطا، لكنه يحمل أبعادا كبيرة: إذا أردنا صحافة مستقلة قادرة على مواصلة عملها، فمن سيدفع تكلفتها؟

هذا السؤال أعاد الكاتب مباشرة إلى الملفات البرتقالية الموجودة في مكتب والده، وإلى الرقم الذي كاد أن ينساه مع مرور السنوات.

أكثر من 19 مليون دولار نقدا خلال ثماني سنوات، لم تُنفق على إنشاء مصنع أو شراء مبنى أو تجارة بضائع، وإنما على شيء أكثر تجردا: إنتاج الأخبار.

ومن هنا بدا له أن الرقم القديم والسؤال الذي طرحته الصحيفة حديثا يدوران حول القضية نفسها: كم تكلف الحقيقة، ومن سيدفع ثمن الوصول إليها؟

عندما كان المعلن يدفع الفاتورة

لسنوات طويلة، لم يكن الجمهور مضطرا إلى التفكير كثيرا في اقتصاد صناعة الأخبار.

كان القارئ يشتري صحيفة بسعر منخفض، أو يشاهد نشرة إخبارية على التلفزيون دون دفع مباشر، بينما كان الجزء الأكبر من تكلفة إنتاج المحتوى تتحمله جهة أخرى، هي المعلنون.

فالإعلانات كانت تمثل مصدرا رئيسيا لتمويل الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات، وهو ما سمح للمؤسسات الإعلامية الكبرى بامتلاك مكاتب خارجية وإرسال فرق صحفية إلى مناطق بعيدة، والحفاظ على وجود دائم في مدن مثل بغداد وموسكو وبكين.

وكان هذا النموذج الاقتصادي يتيح تحمل تكلفة المراسلين والمنتجين والمصورين والسفر والإقامة والنقل والبث وغيرها من العناصر التي لا يراها المشاهد في التقرير النهائي.

لكن ظهور الإنترنت غيّر هذه المعادلة بصورة جذرية.

الإنترنت قلب نموذج تمويل الصحافة

مع انتقال جزء كبير من الإنفاق الإعلاني إلى محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، تراجعت قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على الاعتماد على الإعلانات لتمويل عملياتها بالشكل الذي كان سائدا في السابق.

وفي الوقت نفسه، أصبح الخبر يصل إلى الجمهور عبر تلك المنصات بصورة مجانية وفورية.

ومع مرور السنوات، نشأ جيل كامل على اعتقاد أن الحصول على الأخبار لا ينبغي أن يكلف شيئا، رغم أن إنتاج الأخبار نفسه لم يكن مجانيا في أي وقت.

فخلف كل تقرير صحفي هناك سلسلة طويلة من التكاليف والجهود: طائرة تنقل الصحفي، وفندق لإقامته، وسيارة أو وسيلة نقل ميدانية، ومصور ومراسل ومترجم، ومعدات، واتصالات وبث، ومحررون ومحامون، وأحيانا أشهر من العمل على تحقيق لا يعرف أحد حتى نهايته ما إذا كان سيُنشر أم لا.

لذلك فإن ما تغير، في جوهره، ليس تكلفة إنتاج الحقيقة، وإنما الجهة التي كانت تدفع ثمنها.

من سيمول الصحافة المستقلة؟

هنا تظهر واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه صناعة الصحافة في الوقت الحالي.

إذا لم يدفع القارئ، وإذا لم تعد الإعلانات قادرة على توفير التمويل الذي كانت تقدمه للمؤسسات الإعلامية، فمن سيتولى دفع تكلفة الصحافة؟

هل تكون الحكومات؟ أم أصحاب الثروات الضخمة؟ أم الشركات الكبرى؟ أم الأحزاب السياسية؟

المشكلة أن لكل طرف من هؤلاء مصالحه الخاصة، وقد يفرض المال الذي يقدمه تأثيرا مباشرا أو غير مباشر على المؤسسة التي تتلقاه.

ولهذا، فإن الاشتراك الذي تطلبه نيويورك تايمز أو غيرها من المؤسسات الصحفية لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره سعرا للحصول على خبر يمكن العثور على نسخة منه في مكان آخر بعد دقائق.

في أفضل حالاته، يمثل الاشتراك مساهمة في تمويل العملية الصحفية التي سبقت نشر الخبر.

فخلف المادة المنشورة صحفي يبحث ويسأل، ومحرر يدقق في المعلومات، ومصادر قد تعرض نفسها للمخاطر، ومحام يراجع الجوانب القانونية، ومؤسسة تملك القدرة على مواجهة حكومة أو شركة أو شخصية نافذة والقول لها: سننشر القصة حتى لو لم تكن راضية عنها.

وهذا هو الجزء الأكبر من الصحافة الذي لا يظهر أمام المشاهد أو القارئ.

الملفات البرتقالية كانت تسجل أكثر من الأموال

عندما كان الكاتب يفتح أحد تلك الملفات قبل أكثر من عقدين، كان هدفه التأكد من صحة الحسابات ومراجعة النفقات.

لم يكن يتخيل آنذاك أن هذه المستندات ستصبح بعد سنوات سجلا يوثق شيئا آخر، شيئا يتجاوز الأرقام والفواتير.

لقد كانت تسجل ثمن الصحافة.

19 مليونا و347 ألفا و829 دولارا و91 سنتا خلال ثماني سنوات، وكان ذلك المبلغ نفسه لا يمثل سوى جزء من فاتورة أكبر بكثير.

أما اليوم، وبعد أن أصبح الخبر يصل إلى الهواتف في اللحظة التي يقع فيها الحدث، ويمكن قراءته ومشاهدته ومشاركته بضغطة زر، فقد يكون السؤال الذي ينبغي طرحه مختلفا.

ليس فقط: لماذا أدفع مقابل الأخبار؟

بل أيضا: إذا لم أدفع أنا، فمن سيدفع ثمن إنتاجها؟

زر الذهاب إلى الأعلى