حين يكون الذهب أقل قيمة من الانسان/المهندس : محمد محمودي

في الأكوان المترامية الأطراف، يقيم الصمت العظيم؛ وعلى الأرض، الصاخبة بالأحياء والحركة، ثمة من يتأمل ويتدبر عجائب خلق الله، فيما الناس نيام، أو لعل أغلبهم كذلك.
سديمٌ سماوي أراقبه من وسط «أوكار»، في قلب صحراء أرض البظان. الساعة تشير إلى الثالثة والنصف بعد منتصف الليل.
وقد أخلد أكثر الباحثين عن الذهب إلى النوم، على أفرشتهم البسيطة، بعد يوم عصيب قضوه في مقارعة الصخور البركانية، تلك التي تختزن في شقوقها وعروقها الذهب بكميات متفاوتة، كأن الأرض لا تمنح سرّها إلا لمن يكدّ في طلبه.
في مثل هذه الساعة، حين تخفت الأصوات البشرية وينحسر ضجيج النهار، يبدو المرء أقرب إلى سماع ما لا يُسمع، وإلى رؤية ما يتجاوز حدود العين.
تذكرتُ مغامري الغرب الأمريكي وشمال كندا، وتلك الأفلام التي عُرفت بأفلام «الوسترن»، والتي كانت تعبّر، بفنية عميقة لا يدرك مراميها كثير ممن ضاقت معارفهم، عن مشترك أصيل في الطموح الإنساني: ذلك الطموح الذي يدفع الإنسان إلى التضحية والمغامرة واقتحام مجاهل الأرض، بحثًا عن ثروة أو خلاص أو مجرد وهم جميل بأن الحظ قد يكون مختبئًا خلف صخرة أخرى.
من صقيع مناجم «يوكون» الكندية، إلى جحيم مقالع «أوكار لبكم»، عند سفوح مرتفعات موريتانيا المتعرجة، ثمة حكاية واحدة تتكرر بأقنعة جغرافية مختلفة: الإنسان في مواجهة الأرض، والأرض في مواجهة الإنسان.
جبالٌ تشكلت عبر الأزمنة الجيولوجية، ثم طفَت بعض طبقاتها إلى السطح واختفت أخرى تحت الرمال المتحركة، في مسار قاري طويل يبدو، لمن يتأمله، كأنه سيرة جيولوجية مكتوبة بلغة الحجر.
مسار لا يعرف الحدود السياسية التي رسمها البشر، بل يعبرها كما تعبر الريح الكثبان، مخترقًا أراضي عدة دول، حتى ينتهي بعيدًا عند شواطئ فريتاون، عاصمة سيراليون.
وهناك، في أقصى هذا الامتداد، لا يعود الذهب مجرد معدن، ولا الصخور مجرد جماد؛ إذ تبدو الأرض كلها شاهدةً صامتة على الإنسان الإفريقي، تحفظ في طبقاتها آثار أقدامه، وتختزن في صمتها ذاكرة آلاف السنين من العبور والكفاح والهجرة والاستقرار.
ولعل أعجب ما في الجماد أنه لا يتكلم، ومع ذلك يحمل من الشهادة ما لا تحمله كتب البشر. فالحجر الذي ندوسه اليوم ربما كان، في زمن سحيق، جزءًا من جبل آخر، أو قاع بحر، أو شاهداً على حركة قارة كاملة.
والرمال التي نراها ساكنة قد تكون في حقيقتها آخر فصل من رحلة صخر بدأ منذ ملايين السنين.
وأنا، في الثالثة والنصف صباحًا، تحت هذا السديم المعلق في سماء الصحراء، لا أرى الباحثين عن الذهب نائمين حولي فحسب؛ بل أرى الإنسان القديم والحديث معًا، يطارد السر ذاته: ماذا تخبئ الأرض؟ وماذا يخبئ هذا الكون؟
وفي تلك اللحظة، يبدو الذهب أقل قيمة من السؤال نفسه.
M.M.N.







