تقنية

ميتا تدخل سباق وكلاء البرمجة بالذكاء الاصطناعي.. «ميوز كود» تنافس كوديكس وكلود كود

يتجه سباق الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة لم تعد فيها قوة النماذج تقاس فقط بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة أو إنشاء النصوص والشفرات، وإنما بمدى قدرتها على تنفيذ المهام المعقدة بصورة شبه مستقلة، بدءا من فهم المطلوب والتخطيط له وصولا إلى التنفيذ والاختبار والتحقق من النتائج.

وفي هذا السياق، دخلت شركة ميتا سوق وكلاء البرمجة بأداة جديدة تحمل اسم «ميوز كود» (Muse Code)، في محاولة لمنافسة أدوات متخصصة مثل «كوديكس» و«كلود كود»، ضمن سوق يشهد توسعا سريعا مع انتقال الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى دور الوكيل القادر على إنجاز سلسلة كاملة من المهام البرمجية.

ميوز كود.. من كتابة الشفرة إلى تنفيذ المهمة

أطلقت ميتا «ميوز كود» في 5 أغسطس/آب الجاري بنسخة تجريبية، وتعمل الأداة عبر سطر الأوامر على نظامي ماك أو إس ولينكس.

وتعتمد الأداة على نموذج «ميوز سبارك 1.2» (Muse Spark 1.2)، الذي صمم خصيصا للتعامل مع مهام البرمجة. ووفقا لميتا، لا تقتصر قدرات الأداة على اقتراح أسطر من الشفرة استجابة لطلبات المطور، بل يمكنها التعامل مع مستودعات برمجية كبيرة، ووضع خطط للتعديلات المطلوبة، وكتابة الشفرة، ثم تشغيل الاختبارات والتحقق من النتائج.

ويعكس هذا النهج تحولا في طبيعة أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إذ يصبح الهدف تنفيذ المهمة البرمجية كاملة بدلا من تقديم إجابة جزئية ينتظر من المطور تحويلها إلى خطوات عملية.

وكلاء فرعيون يعملون بالتوازي

تسعى ميتا إلى منح «ميوز كود» مستوى أعلى من الاستقلالية من خلال السماح له بتشغيل عدة وكلاء فرعيين في الوقت نفسه.

ويمكن لهذه الوحدات العمل في الخلفية أثناء استمرار جلسة المستخدم، بحيث يتولى كل وكيل مهمة محددة، مثل البحث أو تنفيذ إحدى مراحل العمل، ثم يعيد النتائج إلى الوكيل الرئيسي.

وتقول ميتا إن نموذج «ميوز سبارك 1.2» طُور بالتوازي مع بيئة «ميوز كود»، بهدف تحسين أداء النموذج عند تشغيله داخل هذه البيئة تحديدا.

وتحتفظ الأداة كذلك بسجل محلي للأحداث، يتضمن تفاصيل استدعاءات النموذج وتشغيل الأدوات والموافقات والتعديلات التي جرت خلال جلسة العمل. وتتيح هذه الآلية استئناف العمل بعد حدوث عطل، بدلا من فقدان ما تم إنجازه والاضطرار إلى بدء المهمة من جديد.

وتضم «ميوز كود» أيضا مجموعة من المهارات الجاهزة، من بينها «Plan» التي تضع خطة للعمل وتتطلب موافقة المستخدم، و«Grill» التي تختبر الخطة وتبحث عن نقاط الضعف فيها، و«Goal» التي تتابع تنفيذ المهمة حتى الوصول إلى الهدف المحدد.

المنافسة مع كوديكس وكلود كود

تدخل ميتا سوقا مزدحمة بأدوات برمجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في مقدمتها «كوديكس» و«كلود كود».

وتحول «كوديكس» إلى منصة متكاملة للبرمجة الوكيلة، إذ يمكنه تنفيذ مهام مثل بناء الميزات الجديدة، وإعادة هيكلة المشروعات، ومراجعة الشفرات، فضلا عن التعامل مع مهام متعددة بالتوازي.

وتتيح أوبن إيه آي استخدام «كوديكس» من خلال شات جي بي تي وبيئات التطوير وسطر الأوامر، مع إمكانية تشغيل أكثر من وكيل في الوقت نفسه لإنجاز أعمال مختلفة.

أما «كلود كود»، الذي تطوره أنثروبيك، فيركز بصورة كبيرة على الاستخدامات الاحترافية والمؤسسية، ويعمل من خلال سطر الأوامر ويمكنه التعامل مع مستودعات المشروعات وتنفيذ مهام برمجية تتكون من عدة مراحل.

وتشير أنثروبيك إلى أن تكلفة استخدام «كلود كود» تختلف باختلاف النموذج المستخدم وحجم قاعدة الشفرة وطبيعة الاستخدام، بينما يتراوح متوسط التكلفة في عمليات النشر المؤسسية بين 150 و250 دولارا للمطور شهريا.

أرقام الأداء لا تحسم المنافسة

تقول ميتا إن «ميوز سبارك 1.2» حقق نتيجة بلغت 82.9% في اختبار «تيرمينال بنش 2.1» (Terminal-Bench 2.1)، مقابل 76.2% للإصدار السابق «ميوز سبارك 1.1».

كما سجل النموذج 59.3% في اختبار «ديب إس دبليو إي» (DeepSWE) v1.1.

لكن مقارنة هذه الأرقام مباشرة بنتائج النماذج المنافسة تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن ميتا اختبرت نموذجها داخل بيئة «ميوز كود» التي صمم ودرب معها، في حين تعمل النماذج الأخرى ضمن بيئات تشغيل مختلفة.

وبالتالي، لا يكفي الاعتماد على نتيجة اختبار واحدة للحكم على تفوق أداة على أخرى، خصوصا في سوق تتباين فيه طرق الاختبار وبيئات التشغيل وطبيعة المهام التي تنفذها النماذج.

السعر.. ورقة ميتا الأكثر إثارة

إلى جانب الأداء، تراهن ميتا على السعر لجذب المطورين إلى «ميوز كود».

وتبلغ تكلفة الطبقة القياسية نحو 1.25 دولار لكل مليون رمز إدخال و4.25 دولارات لكل مليون رمز إخراج، وفقا لما أكدته رويترز، مع اعتماد نظام الدفع حسب الاستخدام بدلا من الاشتراك الشهري التقليدي.

وتقدم الشركة أيضا ما يعرف باسم «Contributor Tier»، وهي فئة منخفضة التكلفة بصورة كبيرة، لكنها ترتبط بالسماح باستخدام المطالبات ونتائج الأداة بهدف تحسين نماذج ميتا المستقبلية.

وتصل الأسعار المتداولة لهذه الفئة إلى نحو 0.10 دولار لكل مليون رمز إدخال و0.20 دولار لكل مليون رمز إخراج، بحسب تقارير تقنية تابعت إطلاق الأداة.

وتكشف هذه السياسة عن استراتيجية مزدوجة لدى ميتا: إتاحة وكيل برمجي بتكلفة منخفضة لجذب أكبر عدد ممكن من المطورين والشركات الناشئة، مقابل الحصول على مورد مهم يتمثل في بيانات الاستخدام البرمجي التي يمكن الاستفادة منها في تطوير النماذج المستقبلية.

لكن هذه الميزة السعرية قد تتحول إلى نقطة حساسة بالنسبة للشركات التي تتعامل مع شفرات خاصة أو ملكية فكرية ومعلومات سرية، إذ قد لا يكون السماح باستخدام بيانات المطالبات والنتائج في تطوير النماذج خيارا مناسبا لها.

قدرات أكبر.. ومخاطر أعلى

تكمن جاذبية «ميوز كود» بالنسبة للمطورين في قدرته على العمل لفترات طويلة والتعامل مع مشروعات كاملة، إلى جانب تشغيل وكلاء فرعيين والاحتفاظ بسجل محلي يسمح باستعادة جلسة العمل ومتابعتها.

وتقول ميتا إن النموذج دُرب على مهام برمجية طويلة الأمد تشمل إنشاء مستودعات كاملة ومشروعات متكاملة، كما خضع لاختبارات في مهام لتحسين شفرات وحدات معالجة الرسومات «GPU» استمرت لأكثر من ألف استدعاء للأدوات وعلى مدى وصل إلى 24 ساعة.

غير أن زيادة استقلالية الوكيل ترفع في المقابل مستوى المخاطر المحتملة.

فالوكيل الذي يستطيع قراءة الملفات وتعديلها وتشغيل الأوامر واختبار البرامج يمتلك صلاحيات أكبر بكثير من مساعد يكتفي باقتراح الشفرة. وإذا أخطأ في تفسير المطلوب، أو نفذ أمرا لم يكن مقصودا، أو أنتج شفرة تتضمن ثغرة أمنية، فقد يتحول الخطأ من مشكلة بسيطة في نص برمجي إلى خلل فعلي داخل المشروع.

وتصبح هذه المخاطر أكثر حساسية عند استخدام فئة «Contributor»، بسبب إمكانية الاستفادة من المطالبات ونتائج البرمجة في تدريب النماذج المستقبلية، وهو ما يثير تساؤلات لدى الشركات بشأن حماية الشفرات الخاصة والبيانات الحساسة.

كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن وكلاء البرمجة لا يزالون يواجهون تحديات في فهم الحالة الفعلية لمستودعات الشفرة والتعامل مع التعديلات التي يجريها المستخدمون بالتزامن.

وبذلك، فإن تحقيق نتائج مرتفعة في الاختبارات لا يعني بالضرورة أن الوكيل سيكون آمنا أو مثاليا عند استخدامه داخل بيئة إنتاج حقيقية.

سباق جديد على مستقبل البرمجة

يعكس إطلاق «ميوز كود» اتجاها أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي، يتمثل في الانتقال من النماذج التي تنتظر تعليمات المستخدم وتقدم إجابات، إلى وكلاء قادرين على تقسيم المهمة والتخطيط لها وتنفيذها واختبارها ثم تكرار المحاولات حتى تحقيق الهدف.

ومع دخول ميتا بقوة إلى هذا المجال، أصبحت المنافسة لا تدور فقط حول جودة الشفرة التي يستطيع النموذج إنتاجها، بل حول قدرته على إدارة مشروع برمجي كامل، ومدى استقلاليته، وسرعته، وتكلفته، والأهم مستوى الأمان الذي يوفره أثناء التعامل مع الملفات والأوامر والبيانات الحساسة.

ومن المتوقع أن تصبح هذه العناصر مجتمعة معيارا أكثر أهمية في تحديد مستقبل أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي، بدلا من الاكتفاء بمقارنة نتائج النماذج في الاختبارات المعيارية.

زر الذهاب إلى الأعلى