الأخبار الدولية

مادورو يطعن في محاكمته بأميركا.. الدفاع يتمسك بالحصانة ويطالب بإسقاط التهم

شن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المعتقل في الولايات المتحدة، هجوما قانونيا واسعا على القضية الجنائية المرفوعة ضده، مطالبا المحكمة الفدرالية في مانهاتن بإسقاط التهم الموجهة إليه، ومؤكدا أن محاكمة رئيس دولة أجنبية أمام القضاء الأميركي بهذه الطريقة تمثل انتهاكا للقواعد القانونية المتعلقة بحصانة رؤساء الدول.

وتقدم مادورو وزوجته سيليا فلوريس، الأربعاء، بطلبات منفصلة إلى القضاء الأميركي لإسقاط لائحتي الاتهام بحقهما، مستندين إلى تمتعهما بالحصانة بوصف مادورو رئيسا لدولة أجنبية، وفلوريس سيدة أولى.

وتتعلق القضية باتهامات أميركية مرتبطة بتهريب المخدرات والإرهاب المرتبط بالمخدرات، وهي قضية سبق أن وجهت فيها اتهامات إلى عدد من الأشخاص قبل سنوات.

الدفاع: اعتقال مادورو ومحاكمته غير قانونيين

اتهم فريق الدفاع عن مادورو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتنفيذ عملية عسكرية غير قانونية في يناير/كانون الثاني الماضي لاعتقال الرئيس الفنزويلي ونقله إلى نيويورك، تمهيدا لمحاكمته أمام القضاء الأميركي.

ويرى محامو مادورو أن العملية تنتهك مبادئ القانون الدولي التي تحمي رؤساء الدول من الملاحقة أمام المحاكم الأجنبية، كما اتهموا وزارة العدل الأميركية بمحاولة تحويل أفعال اتخذها مادورو أثناء ممارسة مهامه الرئاسية إلى جرائم جنائية.

واستند الدفاع في جزء من حجته إلى سوابق قضائية أميركية، من بينها قرار للمحكمة العليا صدر عام 2024 وتناول حدود الحصانة المرتبطة بالأفعال الرسمية للرئيس الأميركي.

وقال المحاميان باري ج. بولاك وآنا إستيفاو إن القضية تمثل سابقة غير معتادة، واعتبرا أن الحكومة الأميركية لا تستطيع، من خلال قرار سياسي منفرد، أن تحرم رئيس دولة من الحصانة بمجرد وصف حكومته بأنها غير شرعية.

معركة قانونية حول حصانة رئيس دولة أجنبية

قدم بولاك هذه الحجج في مذكرة أمام المحكمة الفدرالية في مانهاتن، في إطار ما يعد أحد أبرز الطعون التي قدمها فريق الدفاع منذ بدء القضية.

ويرى المحامون أن القانون يقتضي رفض لائحة الاتهام، بحجة أن القضاء الأميركي لا يملك صلاحية محاكمة رئيس دولة أجنبية معترف به من جانب بلاده بوصفه رئيسا وقت توجيه الاتهامات إليه.

ويؤكد الدفاع أن غياب سوابق لمحاكمة رئيس أجنبي لا يمثل مجرد مصادفة تاريخية، وإنما يعكس، بحسب تفسيرهم، قاعدة قانونية راسخة تمنح رؤساء الدول حصانة من الإجراءات الجنائية أمام المحاكم الوطنية الأجنبية، باستثناء القضاء التابع لدولهم.

وفي مسار قانوني منفصل، طالب فريق الدفاع عن مادورو بإسقاط التهمة الرئيسية المتعلقة بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، بحجة أن الادعاء لم يتمكن من إثبات أن الأفعال المنسوبة إلى الرئيس الفنزويلي داخل بلاده ارتُكبت بقصد الإضرار بالولايات المتحدة.

ويهدف المساران القانونيان إلى إنهاء القضية قبل وصولها إلى مرحلة المحاكمة.

زوجة مادورو تتمسك بالحصانة السيادية

لم تقتصر المطالب على الرئيس الفنزويلي، إذ قدم محامو سيليا فلوريس مذكرة منفصلة طالبوا فيها بإسقاط الاتهامات الموجهة إليها أيضا.

ويستند دفاع فلوريس إلى مبدأ الحصانة السيادية، معتبرا أن الحصانة المرتبطة بسيادة الدولة تعود لفنزويلا، وأن الدولة نفسها هي الجهة التي تملك وحدها حق التنازل عنها.

وأكد فريق الدفاع أن فلوريس تتمتع بالحماية القانونية نفسها التي يستند إليها مادورو، وطالب المحكمة بالتعامل مع القضية على هذا الأساس.

وفي حال رفضت المحكمة طلبات إسقاط القضية ووصلت الإجراءات إلى المحاكمة، قال محامو مادورو وفلوريس إنهما سيعملان على إثبات أن الاتهامات الموجهة إليهما لا أساس لها.

وقد دفع الاثنان ببراءتهما من التهم، التي تعود القضية الأساسية المتعلقة بها إلى نحو ست سنوات، حين وجهت اتهامات إلى أشخاص آخرين أيضا.

سوابق قضائية قد تعقّد مهمة الدفاع

ورغم قوة الحجج التي يقدمها فريق مادورو بشأن الحصانة، فإن الطريق أمام إسقاط القضية قد لا يكون سهلا.

فقد أظهرت أحكام صادرة عن المحكمة العليا الأميركية، إلى جانب قرارات لمحاكم أدنى تعود إلى عقود، تعقيدات قانونية تتعلق بمحاولات إبطال قضايا جنائية استنادا إلى انتهاكات مزعومة للقانون الدولي أو خروقات لمعاهدات.

كما أقرت المحاكم الأميركية في قضايا سابقة بإمكانية محاكمة أشخاص حتى عندما تكون الطريقة التي جرى بها نقلهم إلى الأراضي الأميركية غير قانونية.

لكن محامي مادورو يميزون قضيته عن تلك السوابق، مؤكدين أن الحالات السابقة لا تتعلق برئيس دولة كان لا يزال يشغل منصبه ويتمتع بالاعتراف من حكومته عندما جرى اعتقاله وتوجيه الاتهامات إليه.

ويعد هذا التفريق محوريا في استراتيجية الدفاع، إذ يحاول الفريق القانوني إثبات أن الحصانة التي يتمتع بها رئيس دولة تختلف جذريا عن الحماية القانونية التي قد يتمتع بها متهم عادي تم نقله إلى الولايات المتحدة في ظروف غير قانونية.

اعتقال سري ومواجهة بين روايتين

اعتقلت القوات العسكرية الأميركية مادورو من العاصمة الفنزويلية كاراكاس في السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، خلال عملية سرية نفذتها القوات الأميركية في منتصف الليل.

وأثارت العملية انتقادات وإدانات من عدد من الدول، بينها دول ترتبط بعلاقات وتحالفات مع الولايات المتحدة.

ودافعت إدارة ترمب عن العملية، ووصفتها بأنها “عملية أمنية دقيقة”، في حين قدم مادورو رواية مختلفة تماما، إذ وصف نفسه بأنه أسير حرب، واعتبر ما جرى عملية اختطاف.

وتشكل هذه الملابسات أحد المحاور الأساسية في المعركة القانونية الجارية، إذ لا يسعى دفاع مادورو إلى الطعن في الاتهامات الجنائية فحسب، وإنما يحاول أيضا التشكيك في الأساس القانوني الذي سمح باعتقال رئيس دولة أجنبية ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته.

وبذلك تتحول القضية إلى مواجهة قانونية تتجاوز الاتهامات الجنائية نفسها، لتطرح أسئلة أوسع حول حدود الولاية القضائية الأميركية، وحصانة رؤساء الدول الأجنبية، وما إذا كان من الممكن محاكمة رئيس كان في السلطة وقت اعتقاله أمام محكمة وطنية لدولة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى