بولندا ترفض استضافة أسلحة نووية أميركية وتفتح جدلا داخل الناتو

أثار إعلان بولندا رفضها نشر رؤوس نووية أميركية على أراضيها نقاشا سياسيا وأمنيا داخليا حول طبيعة دورها في منظومة الردع النووي التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من احتمال اتساع المواجهة مع روسيا، وتتصاعد التساؤلات بشأن مستقبل الوجود العسكري الأميركي في القارة.
وجاء الموقف البولندي عقب اجتماع جمع نائب وزير الدفاع باويل زاليفسكي بوكيل وزارة الحرب الأميركية لشؤون السياسة إلبريدج كولبي، حيث سُئل المسؤول البولندي عن إمكانية انضمام وارسو إلى برنامج المشاركة النووية للناتو، وما إذا كان ذلك قد يتضمن نشر أسلحة نووية أميركية داخل الأراضي البولندية.
وكان رد زاليفسكي واضحا، إذ أكد أن بلاده لا تريد استضافة رؤوس نووية على أراضيها، رغم تمسك الحكومة البولندية بفكرة المشاركة في المهمة النووية للحلف.
مشاركة نووية دون استضافة الأسلحة
يعكس الموقف البولندي محاولة للفصل بين المشاركة في منظومة الردع النووي للناتو وبين استضافة الأسلحة النووية نفسها. وتريد وارسو تعزيز دورها داخل المنظومة الأمنية للحلف، لكنها لا تبدو مستعدة حاليا لتحمل تبعات نشر رؤوس نووية أميركية داخل أراضيها.
وأثار هذا التمييز خلافا سياسيا داخل بولندا، خصوصا بعدما انتقدت شخصيات قريبة من الرئيس البولندي كارول ناوورتسكي تصريحات زاليفسكي، معتبرة أن البلاد بحاجة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات القادمة من الشرق.
وأعاد الجدل الداخلي إلى الواجهة برنامج المشاركة النووية للناتو، الذي يمثل أحد أكثر ترتيبات الحلف حساسية. وبموجب هذا البرنامج، تستضيف بعض الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو أسلحة نووية أميركية، مع مشاركة قواتها في ترتيبات مرتبطة بالتخزين والحماية والتخطيط والجاهزية، من دون أن تمتلك هذه الدول ترسانة نووية وطنية مستقلة.
أين توجد الأسلحة النووية الأميركية في أوروبا؟
يمتلك عدد محدود من الدول حول العالم ترسانات نووية، بينما تضم عضوية الناتو ثلاث دول نووية هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
وفي المقابل، تستضيف خمس دول أوروبية أعضاء في الحلف أسلحة نووية أميركية ضمن ترتيبات المشاركة النووية، وهي بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا.
ويمنح هذا الانتشار الولايات المتحدة قدرة على إبقاء جزء من منظومتها النووية في أوروبا، كما يوفر للحلف آلية لتعزيز الردع تجاه أي تهديد محتمل، ولا سيما في ظل التوتر المتصاعد بين روسيا والدول الغربية.
لماذا ترفض بولندا استضافة الرؤوس النووية؟
تتمتع بولندا بموقع جغرافي شديد الحساسية، فهي تقع على الجناح الشرقي للناتو وقريبة من روسيا وبيلاروسيا، كما أصبحت خلال السنوات الماضية من أبرز الدول الأوروبية الداعية إلى تعزيز القدرات العسكرية للحلف في مواجهة موسكو.
لكن استضافة أسلحة نووية أميركية تمثل خطوة مختلفة من حيث المخاطر السياسية والعسكرية. فمن شأن وجود هذه الأسلحة أن يجعل الأراضي البولندية هدفا محتملا في أي مواجهة نووية أو عسكرية واسعة بين روسيا والناتو.
ولهذا تبدو وارسو راغبة في تعزيز مشاركتها في منظومة الردع، مع تجنب الانتقال إلى مرحلة استضافة الرؤوس النووية على أراضيها.
جدل أوروبي حول الردع النووي
يأتي هذا النقاش في مرحلة تعيد فيها أوروبا تقييم منظومتها الأمنية بالكامل. فالحرب الروسية في أوكرانيا دفعت دولا أوروبية عديدة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قواتها المسلحة، كما أعادت مسألة الاعتماد على المظلة النووية الأميركية إلى صدارة النقاشات الأمنية.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنسبة للدول الواقعة على الجناح الشرقي للناتو، التي ترى أن قربها الجغرافي من روسيا يجعلها أكثر عرضة لأي تصعيد عسكري.
وفي المقابل، فإن نشر أسلحة نووية جديدة في دول الحلف قد يؤدي إلى تصعيد إضافي في العلاقة مع موسكو، وهو ما يجعل مسألة توسيع برنامج المشاركة النووية موضوعا شديد الحساسية بالنسبة للعواصم الأوروبية.
بولندا بين تعزيز الردع وتجنب التصعيد
يعكس الموقف البولندي معادلة أمنية معقدة؛ فمن جهة، تريد وارسو أن تكون من أكثر أعضاء الناتو مساهمة في الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب خطوات قد تحول أراضيها إلى نقطة مواجهة نووية مباشرة.
ويبدو أن الخلاف الداخلي لا يتعلق بمبدأ تعزيز الردع بقدر ما يتعلق بالطريقة التي ينبغي أن تحقق بها بولندا هذا الهدف. فهناك من يرى أن استضافة أسلحة نووية أميركية ستمنح البلاد حماية وردعا إضافيين، بينما يرى آخرون أن الانخراط في منظومة المشاركة النووية دون استقبال الرؤوس النووية يحقق جزءا كبيرا من الأهداف الأمنية مع تقليل المخاطر.
ومع استمرار التوتر بين روسيا والناتو، من المرجح أن يبقى مستقبل المشاركة النووية الأميركية في أوروبا موضع نقاش متواصل، خصوصا في الدول القريبة من الحدود الروسية. ويكشف الجدل البولندي أن القضية لم تعد مجرد ترتيبات عسكرية داخل الحلف، بل أصبحت جزءا من نقاش أوسع حول حدود الردع، ومخاطر التصعيد، ومستقبل الأمن الأوروبي.







