من مختبر الأعصاب إلى النشر العلمي العالمي: قصة طالبة طب فلسطينية تتحدى التحديات

داخل مختبر الأعصاب في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، تواصل الطالبة سوسانا بدير رحلتها العلمية التي بدأت منذ سنواتها الجامعية الأولى، حيث جمعت بين الدراسة الأكاديمية والبحث العلمي في مجال دقيق يتعلق بوظائف الدماغ.
ومنذ انضمامها المبكر إلى المختبر، كرّست سوسانا وقتها لدراسة مستقبلات AMPA، وهي من أبرز المستقبلات العصبية المسؤولة عن نقل الإشارات داخل الدماغ، مركّزة على فهم نشاطها وتأثرها بالمركبات الكيميائية والطبيعية.
رحلة علمية تتجاوز حدود الوطن
تعيش سوسانا في مدينة طولكرم، وتتنقل يوميًا بين الدراسة والبحث، إلى جانب مشاركتها في فعاليات علمية دولية. وتمكنت خلال سنوات دراستها من خوض تجربة تدريبية في مستشفى يو إتش في الولايات المتحدة، حيث عملت في مجال علاج الأورام بالإشعاع، واطلعت على أنظمة حديثة مثل معلوماتية الصحة وأنظمة التعلم الطبي.
وتؤكد أن هذه التجربة شكلت نقطة تحول في مسيرتها، خاصة في ظل محدودية خدمات العلاج الإشعاعي في الضفة الغربية، ما أتاح لها اكتساب خبرات لا تتوفر محليًا.
إنتاج علمي مبكر في مجال معقد
رغم صعوبة دراسة الطب، استطاعت سوسانا إنجاز نحو 25 بحثًا علميًا في مجالات مرتبطة بالأعصاب، مع تركيز خاص على الصرع. وكان أحدث أبحاثها دراسة متقدمة تناولت تأثير مركبات كيميائية على مستقبلات AMPA باستخدام تقنيات كهروفيزيولوجية دقيقة.
وأظهرت نتائج البحث أن بعض هذه المركبات قد تعمل كمثبطات تنظيمية للنشاط العصبي، عبر تقليل شدة الإشارات وتسريع إغلاق القنوات الأيونية، ما يفتح آفاقًا لتطوير علاجات مستقبلية لأمراض عصبية.
كما شاركت في أبحاث متعددة التخصصات، من بينها توظيف الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن احتشاء عضلة القلب باستخدام تخطيط القلب، ما يعكس قدرتها على الدمج بين الطب والتقنيات الحديثة.
مختبر بدأ بفكرة وأصبح مركزًا بحثيًا
يقف وراء هذا المسار البحثي محمد القنيبي، الذي أسس مختبر الأعصاب في الجامعة قبل سنوات، رغم عدم وجود دعم كافٍ في البداية. وقد تحول المختبر اليوم إلى مركز بحثي بارز، أنتج نحو 50 دراسة علمية منشورة.
ويعتمد المركز على منهجية دقيقة تقوم على دراسة الخلايا العصبية بشكل منفرد، ما يسمح بالحصول على نتائج أكثر دقة في فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية لهذه الخلايا.
ويرى القنيبي أن إدخال الطلبة إلى عالم البحث العلمي منذ السنة الأولى يمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبلهم، سواء من حيث التخصص أو فرص العمل والتعاون الدولي.
تحديات مستمرة وطموحات مستقبلية
رغم النجاحات، يواجه المختبر تحديات كبيرة، من بينها صعوبة إدخال المعدات، وارتفاع تكلفتها، إضافة إلى الظروف الأمنية التي تعيق انتظام العمل المخبري.
ومع ذلك، يطمح الفريق خلال السنوات المقبلة إلى الانتقال نحو الدراسات السريرية، وهي مرحلة متقدمة تتطلب بنية تحتية مكلفة، لكنها تمثل خطوة أساسية لربط الأبحاث المخبرية بالتطبيق الطبي المباشر.
في المحصلة، تعكس تجربة سوسانا ومختبر الأعصاب نموذجًا ملهمًا لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مسار علمي مؤثر انطلاقًا من بيئة محدودة الإمكانات، لكن غنية بالإرادة والمعرفة.







