اقتصاد

بنك اليابان يقترب من تحول نقدي تاريخي وسط ضغوط التضخم والطاقة

يتجاوز النقاش الدائر داخل بنك اليابان حدود المراجعة التقليدية لمسار أسعار الفائدة، ليتحول إلى محطة مفصلية قد تعيد رسم السياسة النقدية في البلاد بعد عقود من التيسير الاستثنائي.

وتشير تقارير حديثة إلى أن البنك يدرس رفع توقعاته للتضخم بشكل ملحوظ، بالتوازي مع احتمال زيادة أسعار الفائدة، في ظل مزيج معقد من العوامل الداخلية والضغوط الخارجية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط واضطرابات مضيق هرمز، بما يكشف مدى انكشاف الاقتصاد الياباني لصدمات الطاقة العالمية.

ويأتي هذا التحول في بيئة اقتصادية دقيقة، تتداخل فيها ضغوط التضخم المستورد مع احتمالات تباطؤ النمو، إلى جانب ضعف الين وارتفاع أعباء الدين العام، بالتزامن مع توجهات جديدة تقودها رئيسة الوزراء ساناي تاكيتشي.

التضخم المستورد يفرض واقعاً جديداً

بحسب وكالة بلومبيرغ، يدرس بنك اليابان رفع توقعاته للتضخم خلال اجتماعه المرتقب، مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط بنحو 50% منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية.

ويعكس ذلك تحولاً واضحاً في طبيعة التضخم داخل اليابان، من ظاهرة محلية محدودة إلى موجة ضغوط سعرية مستوردة يصعب احتواؤها بالأدوات التقليدية.

وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات البنك إلى خفض توقعاته للنمو الاقتصادي، نظراً لأن ارتفاع تكاليف الطاقة يزيد أعباء الواردات ويضغط على النشاط الاقتصادي المحلي.

وأشار محافظ بنك اليابان كازو أويدا، وفق تقارير إعلامية، إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يرفع التضخم عبر زيادة توقعات الأسعار، لكنه في الوقت نفسه قد يضعف النمو، ما يضع صناع القرار أمام معادلة شديدة التعقيد.

بين ضرورة رفع الفائدة وخطر التوقيت

يرى محللون أن بنك اليابان يقف أمام لحظة تاريخية، خاصة إذا اتجه إلى رفع الفائدة نحو مستوى 1%، وهو مستوى يحمل دلالة رمزية كبيرة بعد نحو ثلاثة عقود من السياسات النقدية غير التقليدية.

كما أن الاقتصاد الياباني أظهر إشارات سخونة نسبية مقارنة بماضيه، مع تسجيل زيادات في الأجور تجاوزت 5% للعام الثالث على التوالي، ما يعزز مبررات التشديد النقدي.

لكن وكالة رويترز أشارت إلى أن صناع القرار يواجهون توازناً حساساً بين احتواء التضخم المتصاعد وتجنب الإضرار بزخم الاقتصاد، في ظل بيئة عالمية مضطربة.

وتشير تقارير رسمية إلى أن دعم الين عبر سياسة نقدية أكثر تشدداً قد يكون أحد الخيارات المطروحة للحد من التضخم المستورد، بما يعكس الترابط المتزايد بين قرارات الفائدة وسوق العملات.

صدمة مضيق هرمز تضغط على الاقتصاد الياباني

تؤكد بيانات دولية أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي عاملاً مباشراً في رفع أسعار الطاقة عالمياً.

وبالنسبة لليابان، التي تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، تتحول هذه الصدمة سريعاً إلى تضخم داخلي لا يمكن للبنك المركزي معالجته برفع الفائدة وحده.

وفي هذا السياق، اضطرت الحكومة اليابانية إلى تقديم دعم مباشر لأسعار الوقود بلغ نحو 49.8 ين لكل لتر، بهدف إبقاء الأسعار ضمن مستويات يمكن تحملها، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يفرضه ارتفاع النفط على الاقتصاد.

ويرى محللون أن هذا الدعم يخفف الصدمة مؤقتاً، لكنه قد يؤجل ظهور الضغوط التضخمية الحقيقية إلى مراحل لاحقة.

ضعف الين يزيد تعقيد الأزمة

يشكل تراجع الين عاملاً رئيسياً في نقل التضخم إلى الداخل الياباني، إذ يؤدي انخفاض العملة إلى رفع كلفة الواردات، خاصة الطاقة والمواد الخام.

ومع اقتراب الين من مستوى 160 مقابل الدولار، تتزايد التوقعات بإمكانية تدخل حكومي في سوق الصرف، كما حدث في مناسبات سابقة.

ويرى خبراء أن رفع الفائدة قد يكون الوسيلة الأكثر فاعلية لدعم العملة، لكنه يحمل في المقابل كلفة اقتصادية مرتفعة، ما يزيد صعوبة القرار أمام بنك اليابان.

الدين العام.. العقبة الأكبر

لا يمكن فصل قرار رفع الفائدة عن تداعياته على الدين العام، إذ تعد اليابان من أكثر دول العالم مديونية، بنسبة تتجاوز 250% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن أي زيادة في أسعار الفائدة سترفع بشكل ملحوظ تكاليف خدمة الدين، في ظل اعتماد المالية العامة على بيئة طويلة من العوائد المنخفضة.

وهذا قد يحد من قدرة الحكومة على الإنفاق، ويزيد الضغوط على الموازنة العامة، ما يجعل التشديد النقدي قراراً اقتصادياً ومالياً بالغ الحساسية.

نهاية مرحلة وبداية نموذج جديد

يتزامن هذا التحول مع مرحلة سياسية جديدة بقيادة رئيسة الوزراء ساناي تاكيتشي، وسط مؤشرات على توجه حكومي أكثر اهتماماً بإعادة ضبط المسار الاقتصادي في مواجهة الضغوط الراهنة.

وبذلك، لا يبدو قرار الفائدة المقبل مجرد تعديل نقدي محدود، بل خطوة قد تمثل نهاية حقبة طويلة من السياسة النقدية فائقة التيسير، وبداية نموذج اقتصادي جديد لليابان.

زر الذهاب إلى الأعلى