تقنية

الذكاء الاصطناعي بين فقاعة السوق والرفض الشعبي.. هل دخلت الثورة التقنية مرحلة إعادة الحسابات؟

تراجع الحماس لا يعني نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي

يدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة مختلفة عن تلك التي رافقت صعوده الصاروخي خلال السنوات الماضية، في ظل تزايد المؤشرات التي تدفع الأسواق إلى إعادة النظر في التوقعات المتفائلة، بالتزامن مع تصاعد المخاوف السياسية والاجتماعية من توسع التكنولوجيا وتأثيراتها.

ولا تشير التطورات الحالية بالضرورة إلى قرب انهيار قطاع الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تعكس انتقاله من مرحلة الوعود الضخمة والتوقعات المرتفعة إلى مرحلة أكثر واقعية، يجري خلالها قياس قدرته الفعلية على تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الطفرة، وفي مقدمتها مراكز البيانات، مصدر قلق متزايد بسبب احتياجاتها الكبيرة من الطاقة والمياه، وما قد يترتب على توسعها من تداعيات اقتصادية وسياسية.

أسهم التكنولوجيا تحت ضغط التقييمات المرتفعة

يرى الكاتب بريت ديكر، في مقال رأي بصحيفة “وول ستريت جورنال”، أن التراجع الأخير في أسهم شركات التكنولوجيا لا يكفي للقول إن موجة الذكاء الاصطناعي وصلت إلى نهايتها.

وشهدت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي تقلبات حادة خلال صيف العام الجاري، في وقت ساهم فيه التقدم الذي حققته الصين في المجال، إلى جانب عوامل أخرى، في زيادة الضغوط على الأسهم الأميركية.

كما تعرضت شركات بارزة في القطاع، من بينها إنفيديا وميكرون، لعمليات بيع مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي دفع بعض المتشائمين إلى الحديث مجددا عن احتمال انفجار ما يصفونه بفقاعة الذكاء الاصطناعي.

لكن ديكر يحذر من التسرع في إطلاق هذا الحكم، رغم اعترافه بأن المخاوف المرتبطة بالتقييمات الحالية ليست بلا أساس.

وتشكل الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 45% من القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، بينما تستحوذ أكبر سبع شركات تكنولوجية أميركية على أكثر من ثلث القيمة الإجمالية للمؤشر.

كما وصلت نسبة “شيلر” المستخدمة لتقييم مستويات أسعار الأسهم إلى مستويات تثير القلق، إذ تقترب من مستويات شوهدت قبل انفجار فقاعة الإنترنت في عام 2000.

المشكلة قد تكون في سرعة التطور لا في التكنولوجيا

رغم أوجه التشابه مع فترات سابقة شهدت تضخما في تقييمات شركات التكنولوجيا، يرى ديكر أن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة بالطريقة ذاتها.

فالمشكلة، وفقا لهذا الطرح، قد لا تكون في الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في أن تطوره الاقتصادي الفعلي يسير بوتيرة أبطأ بكثير من التوقعات التي صاحبت انتشاره.

وخلال السنوات الماضية، قدم قطاع التكنولوجيا وعودا ضخمة بشأن حجم التحول الذي ستحدثه الأنظمة الذكية في سوق العمل، من بينها توقعات بإمكانية القضاء على نسبة كبيرة من الوظائف المكتبية وظهور أعداد ضخمة من العاطلين بصورة دائمة.

لكن النتائج جاءت أكثر تعقيدا. فبعض الشركات التي سرحت موظفين على أمل أن تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي محلهم بدأت في إعادة توظيف جزء منهم، بينما أشارت دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن 95% من مشروعات الذكاء الاصطناعي التوليدي التجريبية لا تحقق عائدا قابلا للقياس على الاستثمار.

تطبيقات عملية بعيدا عن الضجيج الإعلامي

لا تعني هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي أخفق، بل تكشف أن أبرز فوائده قد تظهر في مجالات أقل إثارة للانتباه من التوقعات المرتبطة باستبدال البشر بالكامل.

وتحقق التكنولوجيا نتائج عملية في استخراج البيانات والبحث وأتمتة سير العمل وخدمة العملاء، إضافة إلى تحليل كميات ضخمة من المعلومات واستخلاص الأنماط منها.

كما بدأت الحكومة الأميركية في توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل اكتشاف الاحتيال وتسريع إجراءات الموافقة، بينما يستخدم البنتاغون التكنولوجيا في تطبيقات عسكرية متعددة.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا بدورها قدرة الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي على إحداث تغييرات ملموسة في العمليات العسكرية، بما يعكس اتساع نطاق استخدامها خارج المجالات التجارية التقليدية.

المنافسة مع الصين تمنح الذكاء الاصطناعي زخما إضافيا

ويرى ديكر أن المنافسة الأميركية الصينية تمثل عاملا مهما يصعب معه اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد موجة مؤقتة في الأسواق.

فالتكنولوجيا أصبحت جزءا من سباق صناعي وجيوسياسي أوسع، يرتبط بالتفوق الاقتصادي والتقني والعسكري، وهو ما يدفع الحكومات والشركات إلى مواصلة الاستثمار فيها حتى مع تراجع بعض التوقعات المبالغ فيها.

وتشمل التحديات أيضا البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة، وفي مقدمتها مراكز البيانات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء والمياه. إلا أن التطور التقني قد يتيح مستقبلا حلولاً لبعض هذه المشكلات، وفقا لهذا الطرح.

مراكز البيانات تتحول إلى قضية سياسية

في المقابل، يبرز عامل آخر قد يكون أكثر تأثيرا في مستقبل القطاع، وهو تزايد الرفض الشعبي للتوسع السريع في مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة.

ووفقا لتقرير نشره موقع “أكسيوس”، لم تعد الاعتراضات تتركز فقط على الرقائق الإلكترونية أو استهلاك الطاقة، بل امتدت إلى تأثير هذه المنشآت على حياة السكان والمجتمعات المحلية.

ويثير ارتفاع فواتير الكهرباء، والاستهلاك الضخم للمياه، والتوسع في إنشاء مبانٍ عملاقة تشبه المستودعات، حالة من القلق بين المواطنين، في وقت تواجه فيه القيادات السياسية والتنفيذية صعوبة في تقديم خطاب قادر على تهدئة هذه المخاوف.

الذكاء الاصطناعي أمام اختبار الرأي العام

وتحولت الاعتراضات المحلية تدريجيا إلى ملف سياسي في الولايات المتحدة، مع اختلاف واضح في مواقف الحزبين.

فالديمقراطيون يتجهون نحو المطالبة بفرض قيود أكثر صرامة على مراكز البيانات، في حين بدأ الجمهوريون، الذين كانوا من أبرز الداعمين لهذه الصناعة، يتعاملون معها بحذر أكبر خشية أن يؤدي استياء الناخبين إلى خسائر سياسية في الولايات المتأرجحة، مثل أوهايو.

وهكذا، يبدو أن مستقبل طفرة الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بقدرة الشركات على تطوير نماذج أكثر قوة أو تحقيق أرباح أكبر، بل أيضا بمدى قدرتها على إقناع الأسواق والمجتمعات والحكومات بأن تكلفة هذه الثورة التقنية لا تتجاوز فوائدها.

زر الذهاب إلى الأعلى