الدجاج يتصدر موائد العالم.. كيف تحول من غذاء ثانوي إلى صناعة غذائية ضخمة؟

شهدت صناعة الدواجن خلال العقود الماضية توسعا غير مسبوق، جعل الدجاج ينتقل من كونه غذاء محدود الأهمية إلى أكثر أنواع اللحوم إنتاجا واستهلاكا على مستوى العالم، مستفيدا من انخفاض تكاليف إنتاجه وسرعة نموه، إلى جانب قدرته على الاندماج في أنماط غذائية وثقافات مختلفة.
وتشير بيانات أوردتها صحيفة “فايننشال تايمز” إلى أن عدد الدجاج المستهلك عالميا ارتفع من 48.3 مليار طائر عام 2006 إلى 76.2 مليار طائر في 2023. وفي عام 2022، تجاوز إنتاج لحوم الدجاج إنتاج لحم الخنزير، ليصبح الدجاج أكثر أنواع اللحوم إنتاجا وفقا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو).
صناعة بدأت من البيض
لم يكن الدجاج في بدايات القرن العشرين مرشحا للهيمنة على سوق اللحوم العالمية، إذ كان معظم المزارعين يحتفظون بالدجاج بالدرجة الأولى من أجل إنتاج البيض.
ويشير المؤرخ المتخصص في صناعة الغذاء الأميركية روجر هورويتز إلى أن إنتاج البيض كان يحتل الأولوية داخل الصناعة آنذاك، قبل أن تتغير طبيعة القطاع بفعل مجموعة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
فقد ساهم انتشار أنظمة التبريد وتطور شبكات السكك الحديدية والنمو المتسارع للمدن في تغيير طريقة إنتاج الدجاج ونقله وبيعه. ثم جاءت متاجر التجزئة الكبرى ومحلات السوبر ماركت لتدفع الصناعة نحو نموذج أكثر تنظيما، يقوم على إنتاج كميات ضخمة من الدجاج المبرد والمجزأ والموحد وبأسعار منخفضة.
ومع تطور تقنيات الانتخاب والتكاثر الصناعي، نجح المنتجون في تطوير سلالات تنمو خلال فترات أقصر وتنتج كميات أكبر من اللحم، مع كفاءة أعلى في تحويل العلف إلى وزن حي، الأمر الذي ساعد على تقليص مدة التربية وخفض تكاليف الإنتاج.
الولايات المتحدة تقود التحول الصناعي والبرازيل تتصدر التصدير
كانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي طورت نموذج الإنتاج الصناعي واسع النطاق للدواجن، قبل أن تنتقل هذه الأساليب تدريجيا إلى مختلف أنحاء العالم، لتتحول تربية الدجاج وتصنيعه إلى صناعة ذات طابع عالمي.
وتحتل البرازيل حاليا موقع الصدارة في صادرات لحوم الدجاج، إذ وصلت صادراتها إلى نحو 4.9 ملايين طن خلال عام 2024، مقابل قرابة 910 آلاف طن فقط في عام 2000، وفقا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة التي حللتها الصحيفة.
ويصف رئيس المجلس الدولي للدواجن ريتشارد غريفيث القطاع بأنه “صناعة عالمية بحق”، في ظل تقارب أساليب التربية والتصنيع وسلاسل الإمداد بين عدد كبير من الدول.
ويرى الخبير الاقتصادي الزراعي غلين تونسور، الذي يدير مرصد الطلب على اللحوم في جامعة ولاية كانساس، أن نمو القطاع لم يصل بعد إلى نهايته، مشيرا إلى أن العالم لا يزال بعيدا عن بلوغ ذروة إنتاج الدجاج.
آسيا والشرق الأوسط يدفعان الطلب إلى مستويات قياسية
تتصدر آسيا ومنطقة المحيط الهادي مناطق العالم من حيث المساهمة في نمو استهلاك الدجاج، تليهما الأمريكتان وأوروبا. وتشكل الصين والولايات المتحدة معا نحو ثلث الطلب العالمي على هذا النوع من اللحوم.
ويستفيد الدجاج من عوامل عدة تعزز انتشاره في الدول الغنية والأسواق الناشئة على السواء، أبرزها ارتفاع أسعار لحوم الأبقار، وتزايد الإقبال على الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين، والنمو المستمر لسلاسل مطاعم الوجبات السريعة.
كما يتمتع الدجاج بميزة إضافية تتمثل في انخفاض القيود الثقافية والدينية المرتبطة باستهلاكه مقارنة ببعض أنواع اللحوم الأخرى، فضلا عن إمكانية تسويق أجزاء مختلفة من الطائر في أسواق متعددة، وهو ما يتيح للصناعة الاستفادة من كامل الإنتاج تقريبا.
وتدفع اعتبارات الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل دولا عديدة إلى توسيع إنتاجها المحلي، عبر الاستثمار في مزارع الدواجن ومصانع الأعلاف والمفرخات والمنشآت المتخصصة في الذبح والتجهيز والتصنيع.
ويشير غريفيث إلى أن الصين تعمل حاليا على زيادة إنتاجها المحلي بصورة كبيرة، مع توجهها إلى التحول مستقبلا من سوق تعتمد جزئيا على الاستيراد إلى دولة قادرة على تصدير الدجاج.
السعودية تزيد إنتاجها رغم تحديات البيئة الصحراوية
لم يقتصر نمو صناعة الدواجن على الدول التي تمتلك ظروفا زراعية ومناخية ملائمة، إذ شهدت السعودية أيضا زيادة ملحوظة في إنتاجها المحلي من الدواجن، رغم التحديات المرتبطة بالإنتاج الحيواني في البيئة الصحراوية.
وفي الصين، يواصل قطاع المطاعم تعزيز الطلب على الدجاج، خصوصا مع التوسع الكبير لسلاسل الوجبات السريعة.
وخلال الربع الأول من عام 2026، افتتحت سلسلة مطاعم كنتاكي التابعة لشركة “يام تشاينا” 457 فرعا جديدا في الصين، ليرتفع إجمالي عدد فروعها في البلاد إلى 13,454 فرعا بنهاية مارس/آذار.
ويعكس هذا التوسع قوة الطلب الاستهلاكي على الدجاج، ليس فقط بوصفه مادة غذائية أساسية، وإنما أيضا باعتباره مكونا رئيسيا في قطاع الوجبات السريعة الذي يشهد نموا في العديد من الأسواق الآسيوية.
الصناعة تنتقل من العولمة إلى المحلية
لا يتمثل التوسع في سوق الدجاج في زيادة حجم التجارة الدولية باللحوم المجمدة فحسب، بل تشهد الصناعة أيضا تغيرا في شكل سلاسل الإمداد، مع اتجاه متزايد نحو إقامة منشآت الإنتاج بالقرب من الأسواق التي تستهلك منتجاتها.
ويصف الخبير الاقتصادي الزراعي مولدر هذا الاتجاه بأنه انتقال تدريجي “من العولمة إلى المحلية”، مدفوعا جزئيا برغبة الحكومات في تعزيز أمنها الغذائي والحد من الاعتماد على الواردات.
ويؤكد مولدر أن الأمن الغذائي وأمن الموارد يمثلان أولوية بالنسبة إلى العديد من الأسواق النامية، موضحا أن الحكومات ترى في تطوير إنتاج الدواجن المحلي وسيلة لتعزيز الإمدادات الغذائية، إلى جانب خلق وظائف ودعم النشاط الاقتصادي المرتبط بالزراعة والصناعة.
وبذلك، لم تعد صناعة الدجاج مجرد قطاع غذائي يعتمد على التجارة بين الدول، بل أصبحت جزءا من سياسات الأمن الغذائي وخطط التنمية الاقتصادية في عدد متزايد من البلدان.
تحديات تهدد استمرار التوسع
ورغم النمو السريع الذي حققته صناعة الدواجن، فإن القطاع يواجه مجموعة متزايدة من التحديات، من بينها تفشي إنفلونزا الطيور، والتلوث، والتعامل مع مخلفات المزارع والمسالخ، إضافة إلى الضغوط التي تواجه موارد الأعلاف.
كما أصبحت إقامة المزارع الصناعية ومنشآت معالجة الدواجن تواجه اعتراضات متزايدة من السكان في بعض المناطق، خصوصا مع تصاعد المخاوف المتعلقة بالبيئة والروائح واستخدام الأراضي وتأثير النشاط الصناعي على المجتمعات المحلية.
وتواجه شركات الدواجن في أوروبا بصورة خاصة صعوبات متزايدة في الحصول على الموافقات اللازمة لإنشاء مزارع جديدة، فيما ألغيت أو رفضت بعض المشاريع الكبيرة عقب احتجاجات واعتراضات محلية.
ويلخص مربي الدواجن الفرنسي جان إيف غيرو هذه المعضلة بقوله إن هناك تناقضا بين ما يرفضه الناس بصفتهم مواطنين وما يرغبون في تناوله بصفتهم مستهلكين، مشيرا إلى أن هذا التناقض أصبح جزءا من الحياة اليومية للعاملين في القطاع.
ورغم هذه العقبات، تشير الاتجاهات الحالية إلى استمرار توسع الطلب العالمي على الدجاج، مدفوعا بتكلفته المنخفضة وسرعة إنتاجه وقدرته على التكيف مع مختلف الأسواق، ما يجعل هذا القطاع مرشحا لمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة.







