لقاء كوشنر وحماس يكشف خلافات عميقة حول مستقبل غزة ومسار التهدئة

يحمل اللقاء الذي جمع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر برفقة توني بلير ونيكولاي ملادينوف مع وفد حركة حماس برئاسة خليل الحية، وبمشاركة ممثلين رفيعي المستوى عن الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، مؤشرات على تحرك سياسي جديد قد تتضح ملامحه بصورة أكبر خلال الفترة المقبلة.
ورغم محدودية المعلومات التي خرجت إلى العلن بشأن تفاصيل الاجتماع الذي استمر نحو ساعتين، فإن ما تسرب منه يكشف اختلافا واضحا في أولويات الأطراف، ويشير في الوقت نفسه إلى أن الهدف الأميركي المباشر قد لا يكون تحقيق اختراق شامل في مسار التسوية، بقدر ما يتعلق بمنع تدهور الأوضاع في قطاع غزة ووصولها إلى مواجهة أوسع.
واشنطن تسعى إلى احتواء التصعيد
تبدو الإدارة الأميركية مدركة لحساسية الوضع السياسي داخل إسرائيل، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والحسابات المرتبطة بمستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته وائتلافه السياسي.
وفي هذا السياق، تواجه أي محاولة أميركية لدفع مسار تفاوضي سريع صعوبة في ظل تأثير الاعتبارات الانتخابية الإسرائيلية على قرارات الحكومة، خصوصا مع استمرار الضغوط من التيارات الأكثر تشددا داخل الائتلاف الحاكم.
وتشير المعطيات المرتبطة بجولة كوشنر إلى أن واشنطن تركز في الوقت الراهن على منع انهيار الترتيبات القائمة وتجنب اندلاع مواجهة واسعة في القطاع، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع نطاق الغارات والاغتيالات واستمرار هدم المنازل والمنشآت المدنية.
وجاء التحرك الأميركي في وقت ارتفعت فيه حدة التصريحات الإسرائيلية المطالبة بتصعيد العمليات العسكرية، وسط دعوات من شخصيات في الحكومة الإسرائيلية إلى مواصلة استهداف الفلسطينيين بوتيرة أكبر.
خلاف حول نقطة البداية
كشف الاجتماع عن اختلاف جوهري في ترتيب الأولويات بين الجانب الأميركي وحركة حماس.
فالمقاربة التي حملها كوشنر ورفيقاه تقوم، وفق المعطيات المتاحة، على اعتبار نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة في غزة الخطوة الأولى التي ينبغي تنفيذها، على أن يفتح ذلك الطريق أمام إسرائيل لاتخاذ خطوات مقابلة، وفي مقدمتها الانسحاب التدريجي من أجزاء من القطاع.
وتضع هذه الرؤية ملف السلاح في مقدمة القضايا التي يجب حسمها قبل الانتقال إلى ملفات أخرى، مثل تمكين الهيئة الوطنية من إدارة قطاع غزة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وبدء مشاريع الإيواء والتعافي وإعادة الإعمار.
وبذلك يمكن تلخيص التصور الأميركي في أن الخطوة الأولى تقع على عاتق حماس، قبل أن تبدأ إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الأخرى.
حماس تتمسك بمبدأ «الخطوة مقابل خطوة»
في المقابل، أكدت حماس خلال الاجتماع تمسكها بالتفاهمات التي تم التوصل إليها ضمن مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وما نتج عنها من بروتوكولات وخارطة طريق.
لكن الحركة تنظر إلى هذه التفاهمات باعتبارها حزمة متكاملة ينبغي تنفيذ بنودها بصورة متزامنة ومتدرجة، وليس انتقاء بند واحد منها وجعله شرطا مسبقا لتنفيذ بقية الالتزامات.
وتتمسك حماس، وفقا لما ظهر من موقف وفدها، بمعادلة «الخطوة مقابل خطوة»، بحيث تقابل كل خطوة فلسطينية بإجراء إسرائيلي مماثل، بدلا من البدء بملف نزع السلاح قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن الانسحاب الإسرائيلي وبقية الاستحقاقات.
كما جددت الحركة استعدادها للخروج من إدارة قطاع غزة، مشيرة إلى ما بدأته سابقا من خطوات في هذا الاتجاه، وانتقال مسؤوليات الإدارة إلى الهيئة الوطنية المعنية.
وأكدت في الوقت نفسه استعدادها لعدم عرقلة عمل الهيئة، مطالبة بتسهيل وصولها إلى القطاع وإزالة العوائق الإسرائيلية التي تحول دون مباشرة مهامها.
التزام أميركي بمسار مبادرة ترمب
وفي محاولة لإظهار جدية واشنطن في التعامل مع المبادرة وخارطة الطريق المرتبطة بها، تعهد كوشنر بالدفع باتجاه تنفيذ البنود التي تتضمنها المبادرة الأميركية، بما في ذلك النقاط العشرين التي تشكل أساس المسار المقترح.
وتحمل هذه الرسائل الأميركية تأكيدا على رفض مشاريع تهجير سكان قطاع غزة، إلى جانب الحديث عن ضرورة توفير أفق سياسي للقضية الفلسطينية.
غير أن طبيعة هذا الالتزام لا تزال تثير علامات استفهام، خصوصا في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن كيفية الانتقال من التصريحات السياسية إلى خطوات عملية تضمن حقوق الفلسطينيين وتفرض في الوقت نفسه التزامات محددة على الجانب الإسرائيلي.
مستقبل حماس السياسي مقابل نزع السلاح
ومن أبرز الرسائل التي حملها اللقاء أن واشنطن لا تبدو راغبة في إغلاق الباب أمام الدور السياسي لحماس بصورة مطلقة، وإنما تربط استمرار هذا الدور بشروط تتعلق بمستقبل السلاح والبنية العسكرية للحركة داخل غزة.
وبحسب التصور الذي ظهر خلال الاجتماع، فإن الحركة يمكن أن تحتفظ بدور سياسي بعد نزع سلاحها وتفكيك بنيتها العسكرية، في إطار ترتيبات سياسية جديدة للقطاع.
ويكشف ذلك عن محاولة أميركية للفصل بين الجناح السياسي للحركة وقدراتها العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام مشاركة سياسية مستقبلية، وهو طرح قد يشكل أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات المقبلة.
لماذا كان اللقاء مختلفا؟
تكمن أهمية الاجتماع أيضا في طبيعة الأطراف المشاركة فيه، إذ جرى التواصل بصورة مباشرة مع قيادة حماس، رغم تصنيفها منظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة.
ويعكس ذلك، بحسب القراءة السياسية للمشهد، إدراكا أميركيا بأن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة لن تكون قابلة للتنفيذ من دون التفاوض مع الأطراف التي تمتلك نفوذا وقدرة فعلية على الأرض.
ومن هنا، قد يكون لقاء كوشنر والحية جزءا من مقاربة أوسع تقوم على التواصل المباشر مع القوى التي تملك أدوات التأثير الفعلية، وليس الاكتفاء بالتفاوض مع أطراف سياسية لا تملك السيطرة الكاملة على الواقع الميداني.
وفي المحصلة، يبدو أن الاجتماع لم يفتح بعد الطريق أمام تسوية نهائية، لكنه كشف بوضوح عن محاولة أميركية لمنع الانفجار، وعن خلاف جوهري حول ترتيب خطوات المرحلة المقبلة: واشنطن تريد البدء بنزع السلاح، بينما تصر حماس على تنفيذ الاتفاق باعتباره حزمة واحدة وبمنطق التدرج المتبادل.
وبين هذين التصورين، يبقى نجاح أي مسار مقبل مرتبطا بقدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات متبادلة، وبمدى استعداد إسرائيل وحماس للقبول بتنازلات متزامنة تمنع انهيار التهدئة وتفتح الباب أمام معالجة الملفات الأكثر تعقيدا في غزة.







