الصحة

حمية البحر المتوسط تتصدر عالميًا مجددًا.. لماذا تعد من أكثر الأنظمة الغذائية المدعومة علميًا؟

واصلت حمية البحر المتوسط ترسيخ مكانتها كأحد أكثر الأنظمة الغذائية اعتمادًا من قبل الخبراء، بعدما تصدرت تصنيف أفضل الحميات الغذائية لعام 2025 الصادر عن مجلة يو إس نيوز آند وورلد ريبورت للعام الثامن على التوالي، محققة 4.8 من أصل 5 نقاط بفضل توازنها الغذائي وسهولة الالتزام بها ووفرة الأدلة العلمية الداعمة لفوائدها الصحية.

ورغم هذا التصنيف، يؤكد الباحثون أن مكانة حمية البحر المتوسط لا تستند إلى التقييمات الإعلامية فقط، بل إلى عشرات الدراسات السريرية والبحوث طويلة الأمد التي أثبتت ارتباطها بتحسين صحة القلب، وتقليل خطر الإصابة بالسكري، ودعم الصحة الأيضية بشكل عام.

ليست أفضل حمية للجميع.. لكنها من أكثرها موثوقية

يشير خبراء التغذية إلى أنه لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب جميع الأشخاص أو الحالات الصحية، إذ تختلف الاحتياجات الغذائية تبعًا للعمر والحالة الصحية ونمط الحياة.

فعلى سبيل المثال، قد تكون حمية DASH أكثر ملاءمة لمرضى ارتفاع ضغط الدم، بينما قد تحقق حمية Portfolio نتائج أفضل لدى من يسعون إلى خفض الكوليسترول الضار.

ومع ذلك، تبقى حمية البحر المتوسط من أكثر الأنظمة الغذائية التي أثبتت فعاليتها علميًا، خاصة في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني، إلى جانب سهولة الالتزام بها على المدى الطويل.

ما هي حمية البحر المتوسط؟

لا ترتبط حمية البحر المتوسط بمطبخ دولة واحدة، بل تستند إلى العادات الغذائية التقليدية لشعوب حوض البحر المتوسط، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والمغرب ودول المشرق العربي.

وقد أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، لأنها تمثل أسلوب حياة متكاملًا يشمل طرق الزراعة والطهي والعادات الاجتماعية، وليس مجرد قائمة أطعمة.

ويعتمد هذا النظام الغذائي على:

  • الإكثار من الخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة.
  • تناول المكسرات والبذور بصورة منتظمة.
  • استخدام زيت الزيتون البكر كمصدر رئيسي للدهون.
  • تناول الأسماك والمأكولات البحرية بشكل متكرر.
  • الاعتدال في استهلاك الدواجن والبيض ومنتجات الألبان.
  • تقليل اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة.
  • الحد من الحلويات والمشروبات السكرية والأطعمة فائقة التصنيع.
  • استخدام الأعشاب والتوابل والثوم والليمون بدلاً من الإفراط في الملح.

سر النجاح.. النمط الغذائي المتكامل

يرى الباحثون أن القوة الحقيقية لحمية البحر المتوسط لا تكمن في مكون واحد مثل زيت الزيتون، بل في تكامل النظام الغذائي بالكامل.

فعندما يحل زيت الزيتون محل الزبدة والدهون المشبعة، تتحسن جودة الدهون المستهلكة. وعندما تستبدل البقول والأسماك جزءًا من اللحوم المصنعة، ينخفض استهلاك الدهون المشبعة والصوديوم.

كما أن استبدال الحلويات والمأكولات المصنعة بالفواكه والمكسرات يزيد من تناول الألياف والعناصر الغذائية، ويقلل من السكريات المضافة.

التركيز على جودة الدهون

على عكس بعض الأنظمة الغذائية التي تدعو إلى تقليل الدهون بشكل عام، تركز حمية البحر المتوسط على اختيار الدهون الصحية.

فزيت الزيتون والمكسرات غنيان بالدهون غير المشبعة، بينما توفر الأسماك الدهنية أحماض أوميغا 3، وهي دهون ارتبطت بتحسين صحة القلب والأوعية الدموية وخفض مستويات الكوليسترول الضار.

كما يحتوي زيت الزيتون البكر على مركبات نباتية مضادة للأكسدة قد تساعد في حماية الأوعية الدموية وتقليل الإجهاد التأكسدي.

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن زيت الزيتون ليس علاجًا سحريًا، إذ لا يمكنه تعويض نظام غذائي غني بالأطعمة المصنعة والسكريات والدهون غير الصحية.

الألياف ودورها في صحة الأمعاء

توفر حمية البحر المتوسط كميات كبيرة من الألياف الغذائية بفضل اعتمادها على الخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة.

وتساعد هذه الألياف على:

  • تعزيز الشعور بالشبع.
  • تحسين تنظيم مستويات السكر في الدم.
  • خفض الكوليسترول.
  • دعم صحة ميكروبيوم الأمعاء.

كما تنتج بكتيريا الأمعاء عند تخمير الألياف مركبات مفيدة تعرف بالأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والتي ترتبط بتحسين المناعة وصحة بطانة الأمعاء والتمثيل الغذائي.

الحد من الالتهابات المزمنة

يسهم التنوع الكبير في الخضراوات والفواكه والأعشاب والتوابل والمكسرات وزيت الزيتون في تزويد الجسم بمضادات أكسدة ومركبات نباتية فعالة.

وتشير الدراسات إلى أن هذا النمط الغذائي قد يساعد في تقليل الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، وتحسين حساسية الإنسولين، ودعم وظائف الأوعية الدموية، وهي عوامل تلعب دورًا مهمًا في الوقاية من أمراض القلب والسكري والكبد الدهني.

تقليل الأطعمة فائقة التصنيع

من أبرز مزايا حمية البحر المتوسط أنها تقلل تلقائيًا من استهلاك المنتجات الصناعية، مثل:

  • المشروبات المحلاة.
  • الوجبات السريعة.
  • الحلويات المصنعة.
  • اللحوم المصنعة.
  • الأطعمة الغنية بالسكريات والملح والدهون المشبعة.

ويُعد هذا التحول أحد أهم أسباب ارتباط النظام الغذائي بانخفاض مخاطر الأمراض المزمنة.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

تُعد دراسة PREDIMED الإسبانية من أبرز الأدلة العلمية على فوائد حمية البحر المتوسط، إذ تابعت أكثر من 7400 شخص معرضين لخطر الإصابة بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن اتباع حمية البحر المتوسط المدعمة بزيت الزيتون البكر أو المكسرات أدى إلى انخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات القلبية بنسبة تراوحت بين 28% و31% مقارنة بالنظام الغذائي منخفض الدهون.

ورغم اكتشاف بعض الملاحظات المنهجية لاحقًا في إجراءات توزيع المشاركين، فإن إعادة تحليل البيانات عام 2018 أكدت بقاء النتائج الأساسية متماسكة.

كما أظهرت دراسة CORDIOPREV، التي شملت مرضى مصابين بالفعل بأمراض الشرايين التاجية، أن حمية البحر المتوسط خفضت خطر التعرض لمضاعفات قلبية كبرى بنحو 26% مقارنة بحمية قليلة الدهون خلال متابعة استمرت سبع سنوات.

فوائد تمتد إلى السكري

تشير المراجعات العلمية والتجارب السريرية إلى أن حمية البحر المتوسط قد تساعد في تحسين حساسية الإنسولين، وضبط مستويات السكر في الدم، وتقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، خاصة عند دمجها مع النشاط البدني والمحافظة على وزن صحي.

ورغم هذه النتائج الإيجابية، يؤكد الخبراء أن نجاح أي نظام غذائي يعتمد على الاستمرار في اتباعه، وملاءمته لاحتياجات الشخص الصحية ونمط حياته، وليس على تصنيفه أو شهرته فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى