الإنترنت العالمي يواجه خطر التشرذم.. الرقابة والصراعات تهدد البنية الرقمية

يشهد الإنترنت تحديات متزايدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع نطاق الرقابة الحكومية، ما يثير مخاوف من تراجع مفهوم الشبكة العالمية المفتوحة وظهور فضاءات رقمية منفصلة تعرف باسم “الإنترنت المجزأ” (Splinternet).
ويعتمد هذا المفهوم على إنشاء شبكات رقمية تخضع لسياسات وقوانين محلية تحد من حرية الوصول إلى المحتوى والخدمات، وهو ما يؤدي إلى تقسيم الإنترنت إلى بيئات مغلقة تختلف من دولة إلى أخرى.
الرقابة الرقمية تعزز الانقسام
ترى صحيفة “غارديان” أن الإنترنت لم يعد يتعرض للتجزئة بسبب الاعتبارات التجارية والخوارزميات فقط، بل نتيجة توسع الحكومات في فرض القيود على الفضاء الإلكتروني، الأمر الذي أسهم في ظهور شبكات رقمية شبه معزولة.
وتُعد الصين أبرز نموذج لهذا التوجه، إذ اعتمدت منذ سنوات سياسة “السيادة السيبرانية” عبر “جدار الحماية العظيم”، الذي يحجب العديد من المواقع والمنصات العالمية، مثل خدمات غوغل وميتا، ويوفر بدائل محلية تخضع للرقابة.
كما تشير تقارير إلى أن بكين صدّرت خبراتها وتقنياتها في مجال الرقابة الرقمية إلى عدد من الدول، بينها إثيوبيا وباكستان وميانمار، عبر شركات متخصصة في حلول إدارة الشبكات.
وفي السياق نفسه، دفعت إيران خلال فترات تقييد الإنترنت المستخدمين إلى الاعتماد على تطبيقات وخدمات محلية، بينما تعمل روسيا على تطوير منظومة تسمح بالوصول إلى مواقع معتمدة فقط، إلى جانب دعم تطبيقات محلية بديلة لخدمات المراسلة العالمية.
الكابلات البحرية.. الحلقة الأضعف
إلى جانب الرقابة، تواجه البنية التحتية للإنترنت مخاطر متزايدة بسبب النزاعات العسكرية، خاصة مع التوترات التي تهدد الكابلات البحرية في مناطق استراتيجية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وتنقل الكابلات البحرية أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية، ما يجعلها العمود الفقري للاتصالات الرقمية حول العالم.
وأوضح توني أوسوليفان، الرئيس التنفيذي لشركة RETN المتخصصة في الشبكات العالمية، أن مواقع هذه الكابلات معروفة، وأن أي استهداف لها قد يؤثر في أحد أهم شرايين الإنترنت العالمية، مشيراً إلى أن مناطق مثل البحر الأحمر وخليج عُمان ومضيق دوفر وبحر الصين الشرقي تُعد من أكثر المسارات حساسية.
وأضاف أن الأزمة في الشرق الأوسط أعادت تسليط الضوء على هشاشة هذه البنية، لافتاً إلى أن المخاطر لا تقتصر على مضيق هرمز، بل تمتد أيضاً إلى الكابلات البحرية في البحر الأحمر، التي قد تكون عرضة للاستهداف في ظل التوترات الإقليمية.
الانقطاع لا يعني توقف الإنترنت بالكامل
ورغم أن تعطل أحد الكابلات البحرية لا يؤدي عادة إلى انقطاع الإنترنت بشكل كامل، فإن حركة البيانات تُحوّل إلى مسارات بديلة، وهو ما يسبب انخفاضاً ملحوظاً في سرعة الخدمات وزيادة الضغط على الشبكات الأخرى.
وقد ينعكس ذلك على قطاعات حيوية مثل الخدمات المصرفية والرعاية الصحية والاتصالات، إضافة إلى تأخر نقل البيانات وتعطل بعض الخدمات الرقمية.
تنويع المسارات لتعزيز الصمود
يرى خبراء أن حماية الإنترنت مستقبلاً لا تعتمد فقط على تأمين الكابلات البحرية، بل على إنشاء شبكة أكثر تنوعاً تجمع بين المسارات البحرية والبرية والاتصالات الفضائية، بما يقلل الاعتماد على ممرات جغرافية محددة.
وأكد أوسوليفان أن بناء بنية تحتية أكثر مرونة يتطلب توزيع مسارات نقل البيانات عبر مناطق جيوسياسية مختلفة، وعدم الاكتفاء بإضافة كابلات جديدة تمر عبر الممرات نفسها، الأمر الذي يعزز قدرة الإنترنت على مواجهة الأزمات والاضطرابات المستقبلية.







