مونكل بين التهميش ونداء الإنقاذ: هل يستجيب الأبناء؟

محمد عبد الله ولد بين ينادي :
تقف مونكل اليوم في مفترق طرق حاسم؛ بين ماضٍ زاخرٍ بالعطاء والحضور، وحاضرٍ يثقله التهميش وتنهكه سنوات الإهمال. فهي ليست مجرد مقاطعة عابرة على هامش الخريطة الإدارية، بل فضاءٌ بشري وجغرافي له تاريخ، وله رجال ونساء ساهموا في بناء الوطن، غير أنّ واقعها الحالي يبعث على الأسى ويطرح أسئلة موجعة عن مصير مناطق الداخل حين تُترك لعاديات الزمن.
لقد أصبحت مونكل، في كثير من تفاصيل حياتها اليومية، تعتمد على لكصيبة في الخدمات الأساسية والحاجات المعيشية، وهو أمر يكشف حجم التراجع الذي أصاب بنيتها المحلية.
فالمدينة التي يفترض أن تكون مركزًا إداريًا وتنمويًا لمحيطها، صارت تستند إلى غيرها في تلبية أبسط متطلبات السكان.
وهذا الوضع لا يمسّ الجانب الخدمي فقط، بل ينعكس أيضًا على صورة الدولة وهيبة الإدارة وثقة المواطن في جدوى اللامركزية والتنمية الترابية.
وتزداد المعاناة حدةً مع فصل الخريف، حين تنقطع بعض البلديات التابعة للمقاطعة بفعل رداءة البنى التحتية وغياب الطرق المعبدة والجسور المناسبة.
وفي كل موسم أمطار يتكرر المشهد نفسه: عزلة مؤقتة تتحول إلى عزلة مزمنة، وتعطل للحركة الاقتصادية، وصعوبة في الوصول إلى الصحة والتعليم والإدارة.
وكأن السكان محكوم عليهم كل عام بإعادة اختبار الصبر نفسه، في وقت أصبح فيه فك العزلة معيارًا أوليًا لأي سياسة تنموية جادة.
أما سياسيًا، فإن مونكل تبدو في حاجة إلى استعادة صوتها ومكانتها الريادية داخل المعادلة الوطنية. فالمناطق التي يضعف تمثيلها وتغيب عنها المبادرات المحلية تصبح أكثر عرضة للتهميش، لأن التنمية لا تأتي فقط من المركز، بل تحتاج أيضًا إلى نخب محلية منظمة، قادرة على الترافع، وصياغة الأولويات، وحشد الطاقات حول مشروع جماعي واضح.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أين أبناء مونكل؟ أين ، الأطر، إن لم نتساءل عن رجال الأعمال و أين المنتخبون، وأصحاب الكفاءات الذين أنجبتهم هذه الأرض وربتهم وعلمتهم ؟ إن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي أن يلتفتوا إلى مسقط الرأس، وأن يحولوا الانتماء من عاطفة موسمية إلى فعل عملي. فالأوطان الصغيرة داخل الوطن الكبير لا تنهض بالحنين وحده، بل بالمبادرات والاستثمار والتخطيط والتضامن.
إن مونكل تحتاج اليوم إلى أيام تشاورية للتنمية وإعادة الاعتبار، تجمع أبناءها في الداخل والخارج، والسلطات العمومية، والفاعلين الاقتصاديين، والمجتمع المدني، من أجل وضع خارطة طريق واقعية تشمل:
فك العزلة عن البلديات والقرى، خاصة في موسم الأمطار.
تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية.
دعم الزراعة والتنمية الحيوانية واستثمار السهول الخصبة.
تأهيل المدينة عمرانياً وخدماتياً.
تمكين الشباب والنساء من فرص اقتصادية حقيقية.
تعزيز التمثيل السياسي الفاعل للمقاطعة.
إن مونكل بما تملكه من سهول واسعة، ورمال جميلة، وطاقات بشرية معتبرة، ليست منطقة ميؤوسًا منها، بل مشروع نهوض مؤجل. وما تحتاجه ليس الشفقة، بل الإرادة. وليس البكاء على الماضي، بل صناعة المستقبل.
فهل ينتظم أبناؤها حول هذا النداء؟ وهل تتحول الغيرة على المقاطعة إلى برنامج عمل؟ ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك هو الامتحان الذي لا يحتمل مزيدًا من التأجيل.







