الأخبار الدولية

المسيّرات الانقضاضية.. سلاح رخيص غيّر موازين الحروب الحديثة

تُعرف المسيّرات الانقضاضية أيضًا باسم الذخائر المتسكعة أو الطائرات الانتحارية، وهي فئة من الطائرات دون طيار صُممت لمهاجمة أهداف أرضية خلف خط البصر عبر رأس حربي متفجر، يجمع بين خصائص الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة.

وعلى خلاف الصواريخ التقليدية التي تسلك مسارًا مباشرًا نحو الهدف، تستطيع هذه المنظومات التحليق والتسكع في الأجواء لفترات طويلة بحثًا عن هدف مناسب، قبل الانقضاض عليه وتفجير نفسها، ما يجعلها سلاحًا يستخدم لمرة واحدة.

أهمية متزايدة في الحروب الحديثة

برز دور المسيّرات الانقضاضية بشكل لافت في النزاعات الأخيرة، مثل الحرب في أوكرانيا وسوريا والحرب على إيران، إذ أسهمت أحيانًا في ترجيح كفة طرف على آخر، أو منحت قوى أضعف قدرة على موازنة خصوم أكثر تفوقًا عسكريًا.

ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها انخفاض تكلفتها مقارنة بالأسلحة التقليدية، حيث يمكن لطائرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات تدمير دبابة تُقدّر قيمتها بالملايين.

كما توفر هذه المنظومات دقة عالية في إصابة الأهداف وتقليل الأضرار الجانبية مقارنة بالقذائف التقليدية، ما يجعلها فعالة في القتال داخل المدن.

إشكالات قانونية وأخلاقية

يثير استخدام المسيّرات الانقضاضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مخاوف واسعة، خاصة فيما يتعلق بقدرتها على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ومدى التزامها بمبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني.

كما يطرح تفويض قرار القتل للآلة تساؤلات أخلاقية عميقة، إلى جانب مخاطر الأعطال التقنية أو الاختراقات الإلكترونية، وهو ما يعزز الدعوات لإبقاء القرار النهائي بيد الإنسان.

الجذور التاريخية

تعود البدايات الأولى لفكرة الانقضاض الجوي إلى الحرب العالمية الثانية، مع القاذفات الانقضاضية المأهولة مثل الطائرة الألمانية “شتوكا”، التي كانت تهبط عموديًا تقريبًا لضمان دقة القصف.

وفي الفترة نفسها، ظهرت محاولات لتطوير طائرات غير مأهولة محمّلة بالمتفجرات، مثل المشروع الأميركي “أفروديت”، الذي سعى لتحويل قاذفات قديمة إلى قنابل طائرة موجهة لاسلكيًا.

وخلال الحرب الباردة، تطورت الفكرة إلى ذخائر مضادة للرادارات يمكنها التسكع في السماء بانتظار تشغيل رادار العدو، ثم مهاجمته فورًا.

إسرائيل والولايات المتحدة في الصدارة

في أواخر الثمانينيات، طورت إسرائيل مسيّرة “هاربي”، التي تُعد من أوائل الذخائر المتسكعة الفعالة، والمخصصة لتدمير الدفاعات الجوية.

لاحقًا، ظهرت نماذج أكثر تطورًا مثل “هاروب”، التي دخلت الخدمة عام 2009 بمدى أطول وقدرات هجومية واستطلاعية أكبر.

وفي الولايات المتحدة، دخل نظام “سويتشبليد” الخدمة عام 2011، وهو سلاح تكتيكي محمول يُطلق من أنبوب، ويمنح وحدات المشاة قدرة هجومية دقيقة.

من احتكار الدول إلى الجماعات المسلحة

شهد العقد الثاني من القرن الحالي ثورة حقيقية مع انتشار الطائرات التجارية الرباعية منخفضة الكلفة، التي جرى تعديلها وتحويلها إلى أدوات هجومية.

واستخدم تنظيم الدولة الإسلامية هذه المسيّرات في العراق وسوريا، سواء للاستطلاع أو لإلقاء المتفجرات أو تنفيذ هجمات انتحارية، ما حوّل ساحات القتال هناك إلى مختبرات لحرب المسيّرات.

العصر الحديث والحروب الكبرى

كانت حرب أذربيجان وأرمينيا عام 2020 نقطة تحول بارزة، بعدما استخدمت أذربيجان المسيّرات الانقضاضية بشكل مكثف لتدمير الدفاعات الجوية الأرمنية والدبابات، محققة تفوقًا حاسمًا.

ثم توسع دورها بصورة غير مسبوقة في الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022، حيث استخدم الطرفان أعدادًا ضخمة من المسيّرات الانتحارية، وظهرت تكتيكات جديدة مثل هجمات الأسراب لإغراق الدفاعات الجوية.

وفي سوريا، لعبت هذه المنظومات دورًا مهمًا في هجمات المعارضة عام 2024، حيث استُخدمت لضرب مراكز القيادة والدبابات والتحصينات.

التركيب والتقنيات

تتكون المسيّرة الانقضاضية عادة من:

  • هيكل ثابت الجناح أو متعدد المراوح
  • نظام دفع كهربائي أو احتراق داخلي
  • نظام ملاحة واتصال
  • رأس حربي متفجر
  • أنظمة توجيه نهائي بصري أو حراري أو راداري

وتختلف الرؤوس الحربية بحسب المهمة، فقد تكون شظايا للأفراد، أو شحنات لاختراق الدروع، أو رؤوسًا خارقة للتحصينات.

فئتان رئيسيتان

تنقسم هذه الأسلحة إلى نوعين أساسيين:

  1. المسيّرات العسكرية المصنعة
    مثل هاروب، لانسيت الروسية، وشاهد الإيرانية، وتمتاز بمدى طويل وقدرة على التسكع لساعات وأنظمة توجيه متقدمة.
  2. المسيّرات التجارية المعدلة
    وهي طائرات مدنية يجري تسليحها محليًا، وتتميز بانخفاض الكلفة والمرونة العالية، ما يجعلها سلاحًا فعالًا في حروب العصابات والاستنزاف.

سلاح المستقبل منخفض الكلفة

أثبتت المسيّرات الانقضاضية أن السيطرة الجوية لم تعد حكرًا على الجيوش الكبرى، وأن سلاحًا صغيرًا ورخيصًا قد يغير نتائج المعارك ويعيد صياغة مفاهيم الحرب الحديثة.

زر الذهاب إلى الأعلى