تصاعد مقلق لإصابات السرطان في اليمن وسط انهيار القطاع الصحي

تشهد اليمن ارتفاعاً لافتاً في أعداد المصابين بالأمراض السرطانية، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أوضاع المرضى المعيشية والصحية، وفاقم من معاناتهم اليومية.
وتشير تقديرات إلى تسجيل ما لا يقل عن 30 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنوياً، في بلد أنهكته سنوات الصراع منذ 2014، ما أدى إلى ضغط هائل على قطاع صحي يعاني أصلاً من تدهور حاد في البنية التحتية والإمكانات، وبما يفوق القدرة الاستيعابية الحالية للمراكز والمستشفيات المتخصصة.
تحركات حكومية لتعزيز التوعية
في مطلع فبراير الجاري، دشن البرنامج الوطني لمكافحة السرطان في العاصمة المؤقتة عدن فعاليات الأسبوع الخليجي الحادي عشر للتوعية بالأمراض السرطانية، والذي نُظم خلال الفترة من الأول إلى السابع من الشهر نفسه.
ووفقاً لما نشرته وكالة سبأ للأنباء، تضمنت الفعاليات أنشطة توعوية مكثفة في مختلف المحافظات، بهدف نشر الثقافة الصحية، والتعريف بخدمات التشخيص والعلاج المتاحة، وتشجيع المواطنين على تبني أنماط حياة صحية تقلل من مخاطر الإصابة.
وأكد البرنامج الوطني التزامه بمواصلة دعم الجهود الرامية إلى تطوير وتحسين الخدمات الصحية المقدمة لمرضى السرطان، والعمل على خفض معدلات الإصابة والوفيات، بما يتسق مع الأهداف الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المرض.
نقص الأدوية والتشخيص يفاقم الأزمة
رغم هذه الجهود، تتفاقم التحديات الميدانية بصورة كبيرة. ويؤكد ذاكر العبسي، نائب مدير المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، أن أبرز العقبات تتمثل في نقص الأدوية وصعوبة التشخيص المبكر، خاصة في ظل عجز كثير من المرضى عن تحمل تكاليف الفحوصات أو السفر إلى المدن الكبرى.
وأوضح أن هناك قائمة وطنية تضم 130 صنفاً دوائياً يحتاجها المرضى، إلا أن المتوفر فعلياً لا يتجاوز ستة أصناف من الأدوية الموجهة، بتكلفة شهرية تصل إلى 20 مليون ريال، يتم توفيرها بصعوبة بسبب محدودية الاستيراد وندرة الموردين.
وتقدم المؤسسة خدماتها لأكثر من 20 ألف مريض، يتلقى نصفهم تقريباً العلاج في المركز الرئيسي بصنعاء، فيما يتوزع الباقون على فروع عدن وتعز والحديدة وإب وصعدة.
مستشفى وحيد في مواجهة آلاف الحالات
أنشأت المؤسسة في صنعاء مستشفى الأمل للأورام، وهو المستشفى الوحيد المتخصص في جراحة الأورام السرطانية في البلاد، حيث أُجريت فيه 1321 عملية جراحية منذ افتتاحه في 18 ديسمبر 2024 وحتى نهاية يناير الماضي.
كما أُسس مركز للرعاية الاجتماعية بسعة لا تتجاوز 120 سريراً، يخصص خدماته للنساء والأطفال القادمين من المناطق الريفية والنائية، الذين يعجزون غالباً عن تحمل نفقات العلاج والإقامة، في ظل تركز معظم خدمات الفحص والأشعة والاستشارات التخصصية في صنعاء.
أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة
بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، لا يقل عدد الإصابات السنوية بالسرطان في اليمن عن 30 ألف حالة، ما يعني تسجيل نحو 330 ألف إصابة منذ اندلاع الصراع في 2014. أما الوفيات، فتقدر بما لا يقل عن 12 ألف حالة سنوياً، أي ما يقارب 132 ألف وفاة خلال سنوات الحرب، وهو رقم يقارب حصيلة ضحايا المواجهات المسلحة.
وكان وزير الصحة العامة والسكان في الحكومة الشرعية، الدكتور قاسم بحيبح، قد أكد في تصريحات سابقة أن انتشار السرطان بلغ مستويات مرتفعة، بما يضاعف التحديات التي يواجهها القطاع الصحي.
وجاء ذلك بالتزامن مع إطلاق الوزارة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان للفترة 2025-2030، التي تتضمن أولويات وإجراءات للحد من انتشار المرض وتحسين خدمات الرعاية خلال السنوات المقبلة.
اليود المشع.. معاناة إضافية للمرضى
من بين أبرز القضايا الملحة التي تؤرق المرضى وذويهم، نقص مادة “اليود المشع” المستخدمة في تشخيص وعلاج أمراض الغدة الدرقية. وبعد انعدامها تقريباً في المراكز المتخصصة داخل اليمن، يضطر عشرات المرضى للسفر إلى الخارج، لا سيما إلى مصر، للحصول عليها.
وكانت تكلفة هذا العلاج تتراوح سابقاً بين 200 و700 دولار، لكنه أصبح اليوم شبه معدوم محلياً، ما يضاعف أعباء المرضى، خصوصاً الفئات الفقيرة.
ويؤكد ممثلو مرضى السرطان أن جميع الأدوية، سواء الكيمياوية أو الداعمة، إلى جانب العلاجين الجراحي والإشعاعي، تمثل ضرورة قصوى، فيما يشكل غياب خدمات الطب النووي واليود المشع والمسح الذري عبئاً إنسانياً كبيراً يدفع بعض الأسر إلى بيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف السفر والعلاج.
كما تتصاعد المطالب بإعادة تشغيل مطار صنعاء لتسهيل سفر المرضى واستيراد الأدوية، في ظل ما تواجهه شحنات العلاج من تأخير وإجراءات معقدة عبر نقاط التفتيش المنتشرة نتيجة الانقسام الإداري والسياسي.
في المحصلة، تتفاقم معاناة مرضى السرطان في اليمن يوماً بعد آخر، وسط فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة، ما يجعل من قضيتهم أولوية إنسانية ملحة تتطلب استجابة جدية ومنسقة من الجهات المحلية والدولية على حد سواء.







