دراسة: هل يرتبط الإمساك المزمن بخلل في “الدماغ الثاني” للأمعاء؟

يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الإمساك المزمن، وهي مشكلة صحية لا تقتصر على تأخر التبرز، بل تمتد إلى الشعور المستمر بعدم الإفراغ، والبراز الصلب، والانتفاخ، وصعوبة الإخراج، مما يؤثر في جودة الحياة والنوم والعمل.
ورغم أن زيادة تناول الألياف وشرب الماء تمثل الخطوة العلاجية الأولى، فإن بعض المرضى لا يستجيبون لهذه الإجراءات أو حتى للملينات، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن تفسيرات أعمق لهذه الحالة.
وتطرح مراجعة علمية نُشرت في يوليو/تموز 2026 بدورية Frontiers in Immunology فرضية جديدة تشير إلى أن بعض أنواع الإمساك، خاصة الإمساك بطيء العبور والمقاوم للعلاج، قد ترتبط بخلل في العلاقة بين ميكروبات الأمعاء، والحاجز المعوي، والجهاز المناعي، والجهاز العصبي المعوي المعروف باسم “الدماغ الثاني”.
متى يُعد الإمساك مزمنًا؟
لا يعتمد تشخيص الإمساك على عدد مرات التبرز فقط، بل يشمل أيضًا عدة أعراض، منها:
- التبرز أقل من ثلاث مرات أسبوعيًا.
- خروج براز صلب أو جاف.
- الحاجة إلى بذل مجهود كبير أثناء التبرز.
- الشعور بعدم إفراغ الأمعاء بالكامل.
ويصنف الأطباء الإمساك إلى عدة أنواع، أبرزها:
- الإمساك ذو العبور الطبيعي.
- الإمساك بطيء العبور، حيث تتحرك الفضلات ببطء داخل القولون.
- اضطرابات الإخراج الناتجة عن خلل في عضلات قاع الحوض.
ويفسر هذا التنوع اختلاف استجابة المرضى للعلاج، إذ قد يستفيد البعض من الألياف والملينات، بينما يحتاج آخرون إلى فحوص متخصصة أو علاج طبيعي لعضلات الحوض.
ما هو “الدماغ الثاني”؟
يطلق هذا المصطلح على الجهاز العصبي المعوي، وهو شبكة معقدة من الخلايا العصبية المنتشرة في جدار الجهاز الهضمي.
ويتولى هذا الجهاز تنظيم حركة الأمعاء، وإفراز العصارات، وتدفق الدم، والتواصل مع الجهاز المناعي، كما يرتبط بالدماغ عبر الأعصاب والهرمونات، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في التحكم بوظائف الجهاز الهضمي.
وأظهرت بعض الدراسات أن المصابين بالإمساك بطيء العبور قد يعانون انخفاضًا في عدد خلايا كاجال البينية، وهي خلايا مسؤولة عن تنسيق الانقباضات التي تدفع محتويات القولون.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التغيرات سببًا للإمساك أم نتيجة له.
نموذج جديد لفهم المرض
اقترحت الدراسة نموذجًا نظريًا يتكون من أربع مراحل رئيسية لتفسير تطور الإمساك المزمن.
اضطراب ميكروبات الأمعاء
تبدأ الفرضية بحدوث تغير في توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء نتيجة النظام الغذائي أو استخدام بعض الأدوية أو تغير نمط الحياة.
وقد يؤدي ذلك إلى تغير إنتاج مركبات مثل:
- الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.
- الأحماض الصفراوية.
- مشتقات التربتوفان.
- غاز الميثان الذي ارتبط في بعض الدراسات ببطء حركة الأمعاء.
ورغم ذلك، لم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد تركيبة ميكروبية واحدة مشتركة لدى جميع المصابين.
ضعف الحاجز المعوي
تقترح الدراسة أن ضعف بطانة الأمعاء قد يسمح بمرور بعض الإشارات الالتهابية أو الميكروبات إلى الأنسجة المجاورة، مما قد يؤثر في الأعصاب والخلايا المناعية.
لكن الباحثين يؤكدون أن ما يُعرف بـ”تسرب الأمعاء” لم يثبت بعد كسبب مباشر للإمساك.
تفاعل المناعة مع الأعصاب
داخل جدار الأمعاء، تتواصل الخلايا المناعية مع الأعصاب والخلايا الدبقية بشكل مستمر.
وتفترض الدراسة أن اضطراب هذا التفاعل قد يغير طريقة عمل الأعصاب المنظمة لحركة القولون، إلا أن معظم الأدلة المتوفرة جاءت من تجارب حيوانية أو من أمراض هضمية أخرى، وليس من دراسات مباشرة على مرضى الإمساك.
بطء حركة القولون
إذا استمرت هذه التغيرات، فقد تتأثر الأعصاب وخلايا كاجال والعضلات الملساء، مما يؤدي إلى ضعف الانقباضات الطبيعية للقولون، وبالتالي بطء انتقال الفضلات.
ورغم وجود أدلة تشير إلى تغيرات نسيجية لدى بعض المرضى، فإن العلاقة الكاملة بين الميكروبيوم وهذه التغيرات لم تثبت بصورة قاطعة حتى الآن.
ليست علاجًا جديدًا
يشدد الباحثون على أن هذه المراجعة لا تقدم علاجًا جديدًا للإمساك، كما أنها لا تثبت أن خلل البكتيريا المعوية هو السبب المباشر للمرض.
وتعتمد معظم الأدلة الحالية على دراسات رصدية وتجارب مخبرية وحيوانية، لذلك ما تزال هذه الفرضية بحاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية لإثباتها.
هل تنجح البروبيوتيك؟
أظهرت بعض الدراسات أن أنواعًا معينة من البروبيوتيك والبريبايوتيك قد تحسن عدد مرات التبرز أو قوام البراز لدى بعض المرضى، لكن النتائج تختلف باختلاف نوع البكتيريا المستخدمة ونوع الإمساك.
ولا يوجد حتى الآن دليل علمي يؤكد أن هذه المنتجات قادرة على إصلاح الجهاز العصبي المعوي أو استعادة خلايا كاجال لدى الإنسان.
كما أن العلاجات الحديثة مثل زراعة البراز أو التدخلات المناعية ما تزال ضمن نطاق الأبحاث ولم تصبح جزءًا من الممارسة الطبية الروتينية.
كيف يُعالج الإمساك المزمن؟
يعتمد العلاج على تحديد نوع الإمساك أولًا، وتشمل الخطوات الأساسية:
- زيادة تناول الألياف تدريجيًا حتى الوصول إلى الكمية اليومية الموصى بها.
- شرب كميات كافية من السوائل.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- عدم تأجيل الرغبة في التبرز.
وتوصي الإرشادات الطبية باستخدام بولي إيثيلين غليكول كخيار أول لعلاج الإمساك المزمن مجهول السبب، بينما قد يلجأ الطبيب إلى أدوية مثل ليناكلوتايد أو بليكاناتيد أو بروكالوبرايد إذا لم تحقق العلاجات التقليدية النتائج المطلوبة.
أما المرضى الذين يعانون اضطرابات في عضلات قاع الحوض، فقد يكون العلاج الطبيعي وتقنيات الارتجاع الحيوي أكثر فاعلية من الاعتماد على الملينات وحدها.
وفي الحالات المستعصية، قد يطلب الطبيب إجراء فحوص متخصصة، مثل قياس زمن عبور القولون أو قياس ضغط الشرج والمستقيم أو تقييم وظائف عضلات قاع الحوض، للوصول إلى السبب الحقيقي ووضع الخطة العلاجية المناسبة.







