اقتصاد

الحرب على إيران تربك أسواق النفط.. لماذا انفصل السعر الفوري عن العقود الآجلة؟

بلغت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة تحول حادة في سلوك أسواق النفط، بعدما ظهرت فجوة واسعة وغير مسبوقة بين الأسعار الفورية وأسعار العقود الآجلة، في تطور يعكس اضطرابا عميقا في آلية التسعير العالمية.

فقد ارتفع خام برنت المؤرخ الخاص بالشحنات الفورية إلى نحو 132.74 دولارا للبرميل، بينما بقيت عقود برنت الآجلة لأقرب استحقاق قرب 99.36 دولارا، في تباين واضح بين سوق تبحث عن النفط الفوري وسوق مالية تراهن على التوازن المستقبلي.

تسعيران لسوق واحدة

هذا المشهد كشف وجود سوقين مختلفتين داخل سوق النفط نفسها:

  • السوق الفورية: تعكس الندرة الحالية وصعوبة الحصول على الإمدادات بسرعة.
  • السوق الآجلة: تعكس توقعات المستثمرين بشأن هدوء الأزمة وعودة التدفقات لاحقا.

وبالتالي لم يعد السعر يعكس فقط حجم المعروض، بل أصبح يعكس أيضا القدرة على الوصول إلى البراميل ونقلها وتأمينها.

مضيق هرمز في قلب المعادلة

مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، ارتفعت كلفة الشحن والتأمين البحري، وأصبحت الناقلات أكثر حذرا في المرور عبر المنطقة.

ونتيجة لذلك، ارتفعت قيمة البراميل الجاهزة للتسليم الفوري، لأن المشترين باتوا يتنافسون على الشحنات المتاحة سريعا، في حين ظلت العقود الآجلة أكثر هدوءا لأنها تراهن على انفراج لاحق.

لماذا لم ترتفع العقود الآجلة بنفس القوة؟

يرى مراقبون أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الانفصال:

أولا: الفجوة الزمنية
العقود الآجلة تتعلق بنفط سيُسلّم بعد أسابيع أو أشهر، لذلك تسعّر المستقبل لا الأزمة الحالية.

ثانيا: خوف المستثمرين
ارتفاع التقلبات وتكاليف الضمانات المالية دفع كثيرا من المتعاملين إلى تقليص رهاناتهم، حتى لو توقعوا استمرار نقص الإمدادات.

ثالثا: وجود بائعين مستقبليين
بعض المنتجين استغلوا الأسعار المرتفعة لبيع إنتاجهم المستقبلي، ما وفر عرضا إضافيا في السوق المالية وخفف الضغط على العقود الآجلة.

تعطل آلية التوازن التقليدية

في الظروف الطبيعية، تقوم الأسواق بعمليات تحكيم بين السعرين لتقليص الفجوة، لكن الحرب أضعفت هذه الآلية.

فارتفاع التأمين، وتأخر الشحن، وصعوبة نقل النفط بين المناطق، جعل بعض البراميل متاحة نظريا لكنها غير قابلة للوصول عمليا في الوقت المطلوب.

وبذلك أصبح النفط يُسعّر وفق إمكانية الوصول لا مجرد وجود المعروض.

تداعيات أوسع على الاقتصاد العالمي

هذا الانفصال له آثار تتجاوز الأزمة الحالية، منها:

  • ضعف دقة المؤشرات المرجعية مثل برنت.
  • صعوبة التحوط لشركات الطيران والصناعة والطاقة.
  • زيادة تأثير السياسة والحروب على الأسعار.
  • تعقيد قرارات الاستثمار في قطاع الطاقة.

كما تجد الشركات نفسها أمام معادلة مربكة: الأسعار الآجلة توجه قراراتها الاستثمارية، بينما الأسعار الفورية تحدد أرباحها الفعلية.

هل تغير مكان تسعير النفط؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال النفط يُسعّر في بورصات لندن ونيويورك، أم أصبح يُسعّر فعليا عند مضيق هرمز والممرات البحرية التي تتحكم في تدفقه؟

في أوقات الأزمات، يبدو أن الجغرافيا تتغلب على المال، وأن المضائق قد تصبح أقوى من الشاشات المالية في تحديد سعر البرميل.

زر الذهاب إلى الأعلى