الأخبار الوطنيةالتعليم

افتتاحية… اصلاح امتحان الباكلوريا : من شفافية التنظيم إلى عدالة التقييم.

رغم ما أعلنته وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي من تحسن في ظروف تنظيم امتحان البكالوريا، وترسيخ مبادئ الاستحقاق والشفافية، فإن هناك جانبًا لا يقل أهمية ينبغي أن يحظى بالنقاش، وهو أسلوب إعداد مواضيع الامتحانات والمسابقات.
فقد ظل هذا الأسلوب، في جوانب كثيرة، تقليديًا منذ الاستقلال إلى اليوم، رغم أن البيئة التعليمية والمعرفية شهدت تحولات عميقة.

فنحن نعيش في عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات عبر الهواتف الذكية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت هذه الوسائل جزءًا من الحياة اليومية للمتعلمين وأولياء الأمور، بل وللأسرة التربوية عمومًا.


لذلك، فإن تطوير منظومة التقييم لا ينبغي أن يقتصر على ضمان النزاهة والشفافية في تنظيم الامتحانات، بل يجب أن يشمل أيضًا مراجعة فلسفة التقويم نفسها، من خلال إعداد أسئلة تقيس الفهم، والتحليل، والاستنتاج، والتفكير النقدي، والقدرة على توظيف المعرفة في مواقف جديدة، بدل الاقتصار على الحفظ والاستظهار.
ومن جهة أخرى، يظل من المشروع التساؤل عن مدى عدالة أن يتحدد مستقبل آلاف التلاميذ في امتحان إشهادي واحد، بينما يخضعون خلال السنة الدراسية لامتحانات تجريبية واختبارات متعددة لا يترتب عليها وزن مؤثر في النتيجة النهائية، رغم أنها تعكس جهدًا متواصلًا ومستوىً حقيقيًا في منافسة جهوية صارمة.
إن اعتماد مقاربة متكاملة للتقويم، تجمع بين الأداء السنوي والامتحان الوطني النهائي، قد يحقق قدرًا أكبر من الإنصاف، ويخفف من أثر ضغوط الامتحان الواحد، ويمنح صورة أشمل عن مستوى المتعلم.

فالهدف من الامتحانات الإشهادية ليس مجرد فرز الناجحين من الراسبين، وإنما قياس الكفاءات، وتشجيع التعلم، وفتح آفاق المستقبل أمام الشباب.
إن الإصلاح الحقيقي لمنظومة الامتحانات لا يكتمل بالنزاهة والشفافية وحدهما، بل يتطلب أيضًا عدالة في أساليب التقييم، وملاءمة مع التحولات الرقمية، ورؤية تربوية تجعل الامتحان وسيلة للارتقاء بالتعليم، لا سببًا في إحباط المتعلمين أو إضعاف ثقتهم في مستقبلهم.
فهل آن الأوان لأن تعتمد وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي مقاربة شاملة تعيد النظر في فلسفة الامتحانات الإشهادية، بحيث تصبح أكثر عدالة وواقعية، وتوازنا بين التقييم المستمر والامتحان النهائي، حفاظًا على مبدأ تكافؤ الفرص، وصونًا لآمال آلاف التلاميذ الذين لا ينبغي أن تختزل سنوات من اجتهادهم في بضع ساعات من الاختبار؟

زر الذهاب إلى الأعلى