بين شفافية التنظيم وعدالة التقييم… ملاحظات على افتتاحية جديرة بالنقاش/محمد عبد الله بين

تستحق الافتتاحية التي كتبها زميلي وأخي اليدالي محمدن و نشرتها وكالة الفتح الإخبارية التقدير؛ لأنها تفتح بابًا لنقاش تربوي ظل طويلًا حبيس الدوائر الفنية، في حين أن الامتحانات الوطنية ليست شأنًا إداريًا صرفًا، وإنما هي قضية مجتمعية تمس الأسرة والمدرسة والدولة، وترتبط بمستقبل آلاف الشباب.
وقد أصاب كاتب الافتتاحية حين أكد أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على إحكام تنظيم الامتحانات ومحاربة الغش، بل يمتد إلى مراجعة فلسفة التقويم نفسها، بحيث تقيس الامتحانات الفهم والتحليل والاستدلال والقدرة على توظيف المعرفة، بدل الاقتصار على استظهار المعلومات. فهذا هو الاتجاه الذي أخذت به الأنظمة التعليمية الحديثة، وهو ما تقتضيه طبيعة العصر الذي أصبح فيه الوصول إلى المعلومة أيسر من أي وقت مضى، بينما أصبحت القيمة الحقيقية في القدرة على توظيفها وتحليلها وإنتاج معرفة جديدة منها.
غير أن هذا الطرح، على وجاهته، يحتاج إلى وضعه في سياقه التربوي الكامل.
فالحديث عن تغيير طبيعة الامتحانات لا يمكن أن يكون معزولًا عن تغيير المناهج الدراسية، وطرائق التدريس، وأساليب تكوين المعلمين، وبناء القدرات المهنية للمفتشين، وإعداد الكتب المدرسية. إذ لا يعقل أن نستمر في تدريس التلميذ بطريقة تعتمد التلقين والحفظ، ثم نفاجئه في نهاية المطاف بامتحان يقيس التفكير النقدي وحل المشكلات. فالامتحان ليس كيانًا مستقلاً عن المنظومة، وإنما هو الحلقة الأخيرة فيها، ولا يمكن أن يؤدي وظيفته ما لم تتغير الحلقات التي تسبقه.
أما الدعوة إلى منح التقييم المستمر وزنًا أكبر في النتيجة النهائية، فهي فكرة مطبقة في كثير من الأنظمة التعليمية، لكنها تظل رهينة بتوفر شروط دقيقة من الموضوعية وتكافؤ الفرص. فالتقييم المستمر لا يكون عادلاً إلا إذا كانت ظروف التدريس متقاربة بين جميع المؤسسات، وإذا توفرت آليات رقابية تضمن توحيد معايير التقويم، وتمنع تأثير المجاملات أو الضغوط الاجتماعية أو تفاوت مستويات المؤسسات التعليمية. وإلا فإننا قد ننتقل من ظلم الامتحان الواحد – إن صح التعبير – إلى مظالم متعددة تتفاوت فيها المعايير بين مؤسسة وأخرى، وبين ولاية وأخرى.
ومن هنا جاءت مكانة الامتحان الوطني الإشهادي؛ فهو، رغم ما قد يعتريه من نقائص، يظل أكثر أدوات التقويم قدرة على توحيد المعايير بين جميع المترشحين، لأنه يخضع لشروط واحدة، وتصحيح موحد، ومعايير تقييم متقاربة، وهو ما يجعل نتائجه أكثر قابلية للمقارنة والإنصاف.
والحل، في تقديري، ليس في إضعاف الامتحان الوطني، ولا في الاكتفاء بالتقييم المستمر، وإنما في إقامة توازن ذكي بينهما؛ توازن يجعل الاجتهاد السنوي معتبرًا، دون أن يفقد الامتحان الوطني دوره في ضمان تكافؤ الفرص وتوحيد معايير الاستحقاق.
كما أن تطوير مواضيع الامتحانات ينبغي أن يتم بصورة تدريجية ومدروسة، حتى لا تتحول الرغبة في التجديد إلى قطيعة مع الواقع التعليمي. فالتدرج سنة تربوية ناجحة، والإصلاح الحقيقي هو الذي يهيئ له في المناهج، والتكوين، والوسائل، قبل أن يظهر أثره في ورقة الامتحان.
لقد قطعت وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي خطوات معتبرة في تعزيز شفافية الامتحانات وتأمينها، وهي خطوات تستحق الإشادة والدعم. لكن المحافظة على هذا المكسب تستوجب أن يواكبه تطوير هادئ ومتزن لفلسفة التقويم، حتى يصبح الامتحان أداة لبناء الكفاءات، لا مجرد وسيلة لقياس الذاكرة.
إن إصلاح الامتحانات ليس حدثًا عابرًا، بل هو مشروع حضاري طويل النفس، يحتاج إلى رؤية، وتدرج، وتوافق وطني، وإشراك للخبراء والممارسين. وعندها فقط يمكن أن نجمع بين نزاهة التنظيم، وعدالة التقييم، وجودة التعلم، لنصنع مدرسة لا تُخرِّج حافظًا للمعلومات فحسب، بل مواطنًا قادرًا على التفكير والإبداع والإسهام في بناء وطنه.



