السيادة الغذائية… حين تنتصر الوقائع على الضجيج

محمد عبد الله ولد بين
ليست الدول العاقلة هي التي ترفع الشعارات الكبرى، وإنما هي التي تمتلك القدرة على تحويلها إلى سياسات عامة، ثم إلى مشاريع ميدانية، ثم إلى وقائع تفرض نفسها على الأرض. وبين الشعار والإنجاز مسافة لا يقطعها إلا رجال دولة يمتلكون الرؤية، وحكومات تملك الكفاءة والإرادة والانضباط في التنفيذ.
حين أعلن فخامة رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، أن تحقيق السيادة الغذائية يمثل أحد الخيارات الاستراتيجية للدولة، لم يكن يخاطب العاطفة الوطنية، ولا يقدم وعدًا انتخابيًا عابرًا، وإنما كان يرسم لموريتانيا مسارًا جديدًا من مسارات السيادة الوطنية. فالدولة التي تستورد قوتها تبقى رهينة لتقلبات الأسواق والأزمات الدولية، أما الدولة التي تنتج غذاءها فإنها تضع أولى لبنات استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
ولأن الرؤى العظيمة تحتاج إلى أدوات تنفيذ عظيمة، فقد جاءت حكومة معالي الوزير الأول، المختار ولد أجاي، لتجسد هذه الرؤية في مشاريع ملموسة، تتوالى بهدوء الواثق، بعيدًا عن الضجيج، وقريبة من منطق الإنجاز. فالحكومات تُقاس بما تنجزه، لا بما يقال عنها، وبما تتركه في حياة الناس، لا بما يكتب في الفضاءات الافتراضية.
ومن بين الشواهد التي يصعب القفز عليها، ما يجري اليوم في مشروع الركبة بمنطقة دار البركة التابعة لمقاطعة بوكى، حيث تتواصل الأشغال بوتيرة متسارعة لشق قناة ري يزيد طولها على عشرين كيلومترًا، مع استصلاح نحو ألف وخمسمائة هكتار من الأراضي الزراعية، في خطوة نوعية تعزز القدرات الإنتاجية الوطنية، وتضيف مساحة جديدة إلى خارطة زراعة الأرز، التي تمثل أحد أعمدة مشروع السيادة الغذائية.
قد تبدو الأرقام عند بعض الناس مجرد أرقام، لكنها في منطق الدول تعني آلاف الأطنان من الإنتاج، ومئات فرص العمل، وعشرات الأسر التي ستجد موردًا كريمًا للعيش، وملايين الأوقية التي ستبقى داخل الاقتصاد الوطني بدل أن تغادره لاستيراد ما أصبح بالإمكان إنتاجه بأيدٍ موريتانية وعلى أرض موريتانية.
ومن المؤسف أن هناك من اعتاد النظر إلى الوطن بعين لا ترى إلا مواطن النقص، حتى أصبح الإنجاز عنده تهمة، والنجاح موضع ريبة، وكل مشروع مهما بلغت قيمته لا يعدو ـ في نظره ـ أن يكون مادة جديدة للتشكيك. وهؤلاء لا يناقشون الوقائع، بل ينازعونها حق الوجود؛ لأنهم أسرى موقف سابق على الحقيقة، لا يتغير مهما تغيرت المعطيات.
إن النقد المسؤول ضرورة لا تستقيم الحياة العامة بدونها، لكنه شيء، وإنكار الحقائق شيء آخر. فالنقد يبني، أما الجحود فلا ينتج إلا مزيدًا من الضجيج. والدول لا تنهض بمن يفتش عن العثرات بقدر ما تنهض بمن يقرأ الإنجاز قراءة منصفة، ثم يقترح سبل تطويره وتعظيم أثره.
إن ما يتحقق اليوم في القطاع الزراعي، وفي غيره من القطاعات، يؤكد أن الدولة تسير وفق رؤية متماسكة، وأن الحكومة لا تدير الزمن السياسي بمنطق ردود الأفعال، وإنما بمنطق التخطيط والمتابعة والإنجاز. وما مشروع الركبة إلا شاهد جديد ينضم إلى شواهد كثيرة تؤكد أن برنامج رئيس الجمهورية ليس وثيقة محفوظة في الأدراج، بل مشروع عمل يتحرك في الحقول، وعلى ضفاف القنوات، وفي مواقع الإنتاج.
وسيظل الفرق كبيرًا بين من يقيس الأوطان بعدد المنشورات، ومن يقيسها بعدد الهكتارات المستصلحة، والكيلومترات المشيدة، والمؤسسات التي تُبنى، والفرص التي تُخلق. فالأول أسير اللحظة، أما الثاني فيكتب تاريخ الدولة.
لهذا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن موريتانيا تخوض اليوم معركة بناء هادئة، عنوانها السيادة، ووسيلتها العمل، ورهانها الإنسان. وما كان لهذا المسار أن يكتسب هذا الزخم لولا وضوح رؤية رئيس الجمهورية، وحسن متابعة حكومة الوزير الأول، وإيمان مؤسسات الدولة بأن الأوطان لا تُبنى بالخطابة، وإنما تُبنى بالإرادة، وبالعرق الذي يمتزج بتراب الأرض، حتى تثمر سنابل، ويثمر معها الأمل.
وأرى أن هذا المقال يصلح للنشر في صحيفة أو منصة فكرية، لأنه يجمع بين قوة الحجة، وجزالة اللغة، والبعد السياسي، مع تجنب المبالغة والاعتماد على منطق الإنجاز والوقائع.





