الأخبار الوطنية

بين شجاعة الصوت وصمت الامتياز: لماذا تحتاج الموالاة إلى “لحظة سعداني”؟

محمد عبد الله ولد بين يكتب:

لم يعد ممكناً التعامل مع حالة الصمت التي تخيّم على جزء معتبر من نخبة الموالاة بوصفها مجرد خيار شخصي أو أسلوب في العمل السياسي؛ بل غدت ظاهرة بنيوية تضعف مناعة النظام أمام حملاتٍ متكرّرة، تتخذ من الفراغ الإعلامي والسياسي منفذا لترويج سردياتٍ مضللة، تربك الرأي العام وتشوّش على برامج الحكومة. وفي خضمّ هذا المشهد، تبرز النائب سعداني بنت خيطور بوصفها استثناءً لافتا، لا من حيث الجرأة فحسب، بل من حيث وضوح الرؤية ونبل الدافع.
إن القراءة المتأنية لواقع نخبة الأغلبية تظهر أن الأزمة ليست في ندرة الكفاءات داخل الموالاة، بل في غياب الإرادة السياسية لدى شريحة واسعة من ممثليها للقيام بدورهم الطبيعي في الدفاع عن الخيارات العامة. فالصمت هنا ليس حيادا، بل هو ـ في كثير من الأحيان ـ تواطؤ سلبي يفتح المجال لخصومٍ أكثر تنظيماً وقدرة على التأثير. وفي هذا السياق، تبدو شجاعة سعداني بنت خيطور فعلا سياسيا واعيا، يتجاوز حدود الموقف الفردي ليعيد تعريف وظيفة النائب: من مجرد مستفيد من الامتيازات إلى فاعلٍ في معركة الوعي.
لقد اختارت النائب أن تدافع عن قناعاتها “على المكشوف”، غير آبهة بحملات التشكيك أو محاولات التشويه التي تطلقها جهات لا يروق لها أن ترى صوتا مواليا قويا ومتماسكا. وهذه الحملات، كما يشير الواقع، لا تستهدف شخصها بقدر ما تستهدف الفكرة التي تمثلها: فكرة أن الدفاع عن النظام يمكن أن يكون نابعا من قناعة، لا من صفقة؛ ومن التزام، لا من مصلحة عابرة.
وإذا كانت بعض الأصوات تحاول تفسير هذا الحضور القوي بلغة “الصفقات” و”المكاسب”، فإن هذا التفسير يكشف عن أزمة أعمق داخل جزء من النخبة السياسية: أزمة فقدان الثقة في إمكانية وجود فعل سياسي نظيف ومستقل. ومن هنا، فإن الإشادة بسعداني لا ينبغي أن تكون مجاملة عابرة، بل اعترافا بنموذجٍ ينبغي تعميمه، لأنه يعيد الاعتبار للقيم الأساسية في العمل العام: الشفافية، الجرأة، والولاء الصادق.
في المقابل، فإن شريحة من النواب الذين حولوا مقاعدهم إلى أدواتٍ لتحقيق المكاسب الشخصية، قدموا صورة مقلقة متناسين أن الشرعية التي منحتهم إياها صناديق الاقتراع ليست تفويضا للصمت، بل تكليفا بالفعل. إن استمرار هذا السلوك لا يضر فقط بصورة الموالاة، بل يضعف قدرة النظام على تنفيذ برامجه، لأنه يحرمها من أهم أدواتها: الدعم السياسي والإعلامي الفاعل.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات داخلية وخارجية، لا تحتمل هذا الترف السياسي. فالهجمة التي تواجهها الحكومة ليست عفوية، بل منظمة ومستمرة، وتستهدف في جوهرها إرباك مسار الإصلاح ومنع تحقيق الاستقرار. وأمام هذا الواقع، يصبح لزاماً على نخبة الموالاة أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، وأن تدرك أن الصمت لم يعد خيارا آمنا، بل مخاطرةً سياسية قد تكلف الجميع ثمنا باهظا.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الدفاع عن النظام بوصفه سلطة قائمة، بل الدفاع عن فكرة الدولة المستقرة، وعن حق المواطنين في برامج تنموية تنفّذ بعيدا عن التشويش والمزايدات. وهذا يقتضي من النواب والمسؤولين على حد سواء أن ينزلوا من “أبراجهم العاجية”، وأن ينخرطوا بفاعلية في معركة الرأي العام، مستلهمين في ذلك نموذج سعداني بنت خيطور، التي أثبتت أن الصوت الواحد، حين يكون واضحا وصادقا، يمكن أن يحدث فرقا.
ختاما، يمكن القول إن الموالاة أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى كتلة سياسية متماسكة، تدافع عن خياراتها بوضوح وثقة، أو أن تظل رهينة صمتٍ يُفرغها من مضمونها ويمنح خصومها فرصة التمدد. وفي هذا الاختبار، لن يكون التاريخ رحيما بالصامتين، بقدر ما سينصف أولئك الذين امتلكوا شجاعة الكلمة، ووضوح الرؤية، وصدق الولاء.

زر الذهاب إلى الأعلى