مصطفى كمال أتاتورك والأناضول.. كيف صنعت الهزائم العثمانية فكرة الوطن التركي؟

انتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدولة العثمانية، فيما كانت سفن الحلفاء ترسو في مضيق البوسفور ومدافعها موجهة نحو القصر السلطاني. وفي تلك الأجواء، التقى السلطان محمد السادس وحيد الدين بمصطفى كمال باشا في آخر لقاء بينهما، وقال له، وفق الرواية الواردة في النص، إنه قادر على إنقاذ الدولة، قبل أن يهديه ساعة نُقشت عليها حروف اسمه.
تمثلت المهمة المعلنة في استعادة الأمن على ساحل البحر الأسود، حيث اندلعت اشتباكات بين جماعات من الروم البنطيين والسكان المسلمين. وكان البريطانيون يلوحون باحتلال سامسون وطرابزون استنادا إلى المادة السابعة من هدنة مودروس، التي أتاحت لقوات الحلفاء احتلال المواقع التي يرون أنها تهدد أمنهم.
وعُيّن مصطفى كمال مفتشا للجيش بهدف ضبط الأمن وجمع السلاح وحل مجالس المقاومة، في محاولة لحرمان قوات الاحتلال من مبررات التدخل. وغادر إسطنبول في 16 مايو/أيار 1919، بعد يوم واحد من إنزال القوات اليونانية في إزمير، ووصل إلى سامسون في الأناضول يوم 19 مايو/أيار، حيث كان من بين مستقبليه رجل دين عُرف بالحاج ملا.
لكن المهمة التي بدأت تحت عنوان حفظ الأمن سرعان ما اتخذت مسارا مختلفا. فبعد نحو شهرين، كتب المندوب السامي البريطاني كالثورب إلى وزير الخارجية جورج كرزون أن مصطفى كمال عُيّن مفتشا عسكريا بحسن نية، لكنه تحول منذ وصوله إلى سامسون إلى مركز للمشاعر القومية المناهضة للأجانب.
من حرب الاستقلال إلى إلغاء الخلافة
ترتبط صورة مصطفى كمال أتاتورك في الذاكرة الإسلامية، لدى كثيرين، بإلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، وهو الحدث الذي مثّل تحولا عميقا في تاريخ المنطقة. غير أن مسيرته قبل ذلك التاريخ كانت أكثر تعقيدا من الصورة التي استقرت لاحقا عنه.
فبعد تحرير إزمير من القوات اليونانية، دخلها مصطفى كمال بجيشه، وبدأت مرحلة المفاوضات التي أفضت إلى معاهدة لوزان عام 1923، وهي المعاهدة التي رسمت الإطار الدولي لحدود الجمهورية التركية الجديدة.
وفي سياق الانتصارات العسكرية، احتفى أمير الشعراء أحمد شوقي بمصطفى كمال، مستحضرا لقب «الغازي» الذي مُنح له بعد معركة سقاريا، ومشيدا بما اعتبره نهضة للأتراك من أنقاض الدولة المنهكة. وجاء في أبياته:
أتاهم منك في لوزان داهية جاءت به الحرب من حياتها الرقب
من فل جيش ومن أنقاض مملكة ومن بقية قوم جئت بالعجب
وتبرز كلمة «بقية» في هذه الأبيات بوصفها مفتاحا لفهم التحولات التي شهدتها المنطقة؛ فقد تشكلت الدولة التركية الحديثة من الجزء المتبقي من الإمبراطورية العثمانية بعد عقود من خسارة الأراضي والحروب المتلاحقة.
وفي عام 1935، عبّر الصحفي والأديب التركي إسماعيل حبيب سيفوك عن هذا التصور، مشيرا إلى أن العثمانيين أخذوا يفقدون أراضيهم تدريجيا منذ تراجعهم أمام فيينا، حتى انتهى بهم الأمر إلى التمسك بما بقي من الوطن. وكتب، في وصف تلك التجربة، أن الأتراك أنقذوا آخر وطن لهم بمن نجا معهم.
وبينما رأى الإسلاميون في مصطفى كمال الرجل الذي ألغى الخلافة وفرض نهجا علمانيا على المجتمع التركي، اعتبره أنصاره رمزا للتحرر الوطني والانتصار على الاحتلال. وفي خضم هذا الاستقطاب، تراجعت أحيانا صورة القائد العسكري الذي شارك في حماية الأناضول وأطلق حركة المقاومة الوطنية.
ويستحضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه الصورة في خطاباته، إذ يصف مصطفى كمال بأنه «القائد العام لحرب استقلالنا الغازي مصطفى كمال»، ويربط الانتصارات العسكرية بفكرة بقاء الأتراك في الأناضول، باعتبارها الملاذ الأخير أمام محاولات اقتلاعهم من أرضهم.
أرض الأناضول وقلق الاقتلاع
تعود جذور هذا القلق إلى سلسلة من الهزائم التي تعرضت لها الدولة العثمانية، وكان سقوط سالونيك خلال حرب البلقان الأولى عام 1912 من أكثر الأحداث تأثيرا في مصطفى كمال وجيله.
كان مصطفى كمال حينها في برقة، حيث شارك مع الحامية العثمانية في مواجهة الاحتلال الإيطالي. وهناك تلقى نبأ سقوط سالونيك، المدينة التي وصفها بأنها «أرض أبي»، وكانت تضم والدته وشقيقته وأقاربه.
ولم يكن فقدان المدينة بالنسبة إليه مجرد خسارة عسكرية أو جغرافية، بل ارتبط أيضا بفقدان المنزل والروابط العائلية والشعور بالانتماء. وتحدثت روايات عن صدمته إزاء ما اعتبره انتهاكا للمقدسات الإسلامية في المدينة، وتعرض الأماكن المرتبطة بأسرته وماضيه للتغيير بعد دخول القوات اليونانية.
كانت خسارة سالونيك جزءا من كارثة أوسع أصابت الدولة العثمانية خلال حروب البلقان، إذ فقدت نحو 80% من أراضيها الأوروبية، التي كان يعيش فيها أكثر من أربعة ملايين نسمة. كما اقتربت القوات المعادية من العاصمة، وتعرض ملايين المسلمين في الأراضي التي احتُلت لموجات من النزوح والقتل والاضطهاد.
وتختلف التقديرات بشأن أعداد الضحايا، لكنها تشير إلى حجم الخسائر البشرية الهائل الذي رافق تلك الحروب، في وقت اضطر فيه عدد كبير من المسلمين إلى مغادرة مناطقهم واللجوء إلى الأراضي التي بقيت تحت السيطرة العثمانية.
عززت هذه التطورات المخاوف من احتمال خسارة الأناضول نفسها، بعد أن فقدت الدولة العثمانية مساحات واسعة من البلقان وتراقيا. كما تركت أعمال العنف والتهجير القسري التي تعرض لها المسلمون أثرا عميقا في الوعي السياسي والاجتماعي لدى قطاعات من الأتراك.
ولم يبدأ هذا القلق مع حروب البلقان وحدها، بل تراكم منذ الهزيمة أمام روسيا في حرب 1877-1878، ثم ازداد مع كل خسارة إقليمية جديدة. وفي أحياء اللاجئين بمدينة أدرنة، استعاد المؤرخ التركي شوكت ثريا آيدمير ذكريات طفولته بين عائلات فرت من القرم ودوبروجة وضفاف الدانوب، هربا من الحروب والمذابح.
ووصف آيدمير مجتمعه بأنه كان يعيش على وقع انكماش الحدود وتراجع الجيوش، فيما كانت موجات اللاجئين تصل تباعا إلى المناطق التي بقيت تحت الحكم العثماني.
ذاكرة الأندلس ومخاوف المسلمين في البلقان
استحضرت قطاعات من المسلمين في البلقان ذاكرة الأندلس، مع تصاعد مخاوفهم من الاضطهاد الديني وفقدان الهوية. فقد تعرضت جماعات مسلمة، بحسب الروايات التاريخية الواردة في النص، لضغوط شديدة شملت التهجير ومحاولات فرض التحول الديني، فيما واجه بعض السكان خيارات قاسية بين التخلي عن معتقداتهم أو التعرض للعنف.
وكان مسلمو البوماك، الذين يتحدثون لغة سلافية ويعيشون في منطقة جبال رودوب بين بلغاريا واليونان، من بين الجماعات التي تعرضت لحملات تنصير واضطهاد. وأسهمت هذه التجارب في ترسيخ الشعور بأن الخسائر الإقليمية لم تكن مجرد تراجع سياسي، بل تهديدا لبقاء جماعات كاملة على أرضها.
وفي ظل هذه الأحداث، تراجعت ثقة بعض المثقفين الأتراك بالقيم الأوروبية التي رُوّج لها باعتبارها نموذجا للتقدم والحضارة. فقد رأوا أن القوى الكبرى غضت الطرف عن المجازر عندما تعارض التدخل مع مصالحها السياسية، ما دفع بعض التيارات القومية إلى تبني خطاب أكثر تشددا تجاه الغرب.
وعبّر الشاعر والمفكر القومي ضياء جوك ألب عن هذا المزاج في قصيدته «أغنية الحرب»، مستحضرا أتيلا، القائد الذي ارتبط في المخيال القومي التركي بالقوة العسكرية، وموجها دعوة إلى الابتعاد عما اعتبره أوهاما بشأن الحضارة الأوروبية.
أنت ابن أتيلا، لا تنسَ! لا تقل حضارة، فهو أصم لا يسمع
وفي المقابل، لم يكن القوميون الأتراك متفقين تماما على حدود الوطن الذي ينبغي الدفاع عنه. فقد تراوح تفكيرهم بين الخشية من تحول تركيا إلى أندلس ثانية، وبين الحلم القومي بتوحيد المناطق التي اعتبروها جزءا من المجال التركي الممتد عبر آسيا الصغرى وآسيا الوسطى، تحت مفهوم «توران».
وكتب ضياء جوك ألب في هذا السياق أن الوطن لا يقتصر على تركيا أو تركستان، بل يمتد إلى «توران»، بوصفها وطنا قوميا أوسع. لكن صدمات الهزائم دفعت قطاعات من القوميين والعسكريين إلى التخلي عن الطموحات التوسعية والتركيز على حماية الأناضول، باعتبارها الملاذ الأخير الذي يمكن الحفاظ عليه.
وفي قصيدة «الراعي والبلبل»، عبّر جوك ألب عن هذا التحول، مصورا الأناضول بوصفها الأرض التي لا يمكن التخلي عنها، حتى لو ضاعت سائر البلدان.
الأناضول بوصفها قلب الوطن
تجسد القلق من فقدان الأناضول في نقاشات فكرية وسياسية خلال السنوات التي سبقت انهيار الدولة العثمانية. ففي عام 1913، طرح الكاتب التركي ناجي إسماعيل بليستر، المعروف أيضا باسم هابيل آدم، السؤال في عنوان كتابه «هل ستبقى تركيا في الأناضول؟».
وفي الفترة نفسها، أكد الفيلسوف الصوفي أحمد حلمي الفيلبي، في سياق رصده للخسائر المتلاحقة، أن الأناضول أصبحت قلب الوطن وروحه بعد ضياع مناطق واسعة، من بينها القرم ورومانيا والجزائر وتونس ومصر وصربيا وبلغاريا والقوقاز.
ومع تصاعد هذا التصور، رأى عدد من القوميين أن التنوع العرقي والإثني داخل الدولة قد يتحول إلى مدخل للتدخل الأوروبي، خصوصا بعد أن استُخدمت قضايا الأقليات لتبرير تدخلات خارجية في شؤون الدولة العثمانية.
ومن هنا، اتجهت تيارات قومية إلى تبني فكرة بناء دولة أكثر تجانسا، لكن هذه الرؤية ارتبطت في بعض مراحلها بسياسات قسرية وعنيفة تجاه الجماعات التي لم تنسجم مع التصور القومي السائد. وتحولت الأناضول، في هذا الخطاب، إلى المجال الذي ينبغي الحفاظ عليه بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر تغييرات سكانية واسعة.
وكان التبادل السكاني بين تركيا واليونان أحد أبرز مظاهر هذا التحول، إذ أعاد رسم الخريطة الديموغرافية في البلدين وأدى إلى انتقال أعداد كبيرة من السكان بين ضفتي بحر إيجه.
وهكذا، لم تتشكل القومية التركية الحديثة بفعل الانتصارات العسكرية وحدها، بل أيضا تحت وطأة الهزائم المتراكمة والخوف من فقدان الأرض والهوية. وفي هذا السياق، اكتسبت الأناضول مكانة تتجاوز كونها إقليما جغرافيا، لتصبح في الوعي القومي التركي رمزا للبقاء وآخر ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية.







