من ابن سينا إلى البصريات الوراثية.. كيف وصل العلماء إلى التحكم في خلايا الدماغ بالضوء؟

في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، تنقل الطبيب والفيلسوف ابن سينا، المعروف بلقب الشيخ الرئيس، بين بخارى وجرجان والري وهمذان وأصفهان، واضعا تصورا متقدما لوظائف الدماغ في كتابيه الشهيرين «القانون في الطب» و«الشفاء». ورغم غياب المجاهر والأدوات الجراحية الحديثة في عصره، اعتمد على التراث الطبي المنقول عن جالينوس، والفلسفة الأرسطية، وملاحظاته السريرية ليرسم صورة تخيلية للدماغ باعتباره بنية تتكون من ثلاثة تجاويف، يؤدي كل منها وظيفة ذهنية محددة.
ووفق هذا التصور، كان الحس المشترك يوجد في التجويف الأمامي، حيث تتجمع المعلومات القادمة من الحواس الخمس، إلى جانب الخيال الذي يحتفظ بالصور الذهنية حتى بعد اختفاء الأشياء التي أنتجتها. أما التجويف الأوسط، فخصصه للقوة المفكرة التي تجمع الصور وتعيد تركيبها، بما يسمح للعقل بتكوين أفكار لم تنتج عن تجربة حسية مباشرة. وفي التجويف الخلفي، وضع الذاكرة، التي وصفها بأنها مستودع المعاني.
ومن بين القوى التي أثارت اهتمام ابن سينا ما سماه «الوهم»، وهي قدرة داخلية افترض أنها تساعد الكائن الحي على إدراك المعاني المرتبطة بالأشياء، حتى من دون تعلم مباشر. ولتوضيح فكرته، استشهد بسلوك الشاة عندما ترى الذئب فتهرب منه، رغم أنها لم تتلق تعليما يشرح لها أن هذا الحيوان يمثل خطرا عليها. وخلص إلى أن هناك قوة باطنة تمكّنها من إدراك العداوة والتهديد.
وبلغة العلوم الحديثة، يقترب هذا المثال من مفهوم الخوف الفطري، الذي يحاول علماء الأعصاب اليوم فهم آلياته عبر دراسة الدوائر العصبية المسؤولة عنه. وبعد مرور أكثر من ألف عام، لم يعد السؤال مقتصرا على تحديد موضع الذاكرة أو التفكير داخل الدماغ، بل امتد إلى معرفة الخلايا التي تخزن ذكريات بعينها، وتلك التي تشارك في توليد الخوف والفرح، وصولا إلى إمكان التحكم في نشاطها بصورة دقيقة.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام قدرات علمية كانت تبدو أقرب إلى الخيال في زمن ابن سينا، إذ أصبح الباحثون قادرين على تنشيط مجموعات محددة من الخلايا العصبية أو تثبيطها باستخدام الضوء، ما يتيح اختبار دورها المباشر في السلوك والذاكرة والانفعالات.
من صور الدماغ الضبابية إلى التحكم الدقيق في الخلايا
سلط إعلان جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026 الضوء على هذه النقلة العلمية، بمنح الجائزة إلى كارل دايسروث من جامعة ستانفورد ومعهد هوارد هيوز الطبي في الولايات المتحدة، وبيتر هيغمان من جامعة هومبولت في برلين، وجورج ناغل من جامعة فورتسبورغ في ألمانيا، تقديرا لاكتشافاتهم المتعلقة بالتحكم في القنوات الأيونية باستخدام الضوء، وتطوير علم البصريات الوراثية.
ولفهم أهمية هذه الإنجازات، لا بد من العودة إلى المراحل الأولى التي حاول فيها العلماء كشف أسرار الدماغ. فقد بدأ جانب كبير من المعرفة العصبية من دراسة ما يحدث عندما تتعرض مناطق معينة من المخ للتلف، إذ كان الباحثون يستدلون على وظائف الأجزاء المتضررة من خلال التغيرات التي تظهر في سلوك المصابين وقدراتهم.
ومن أشهر الحالات التي أسهمت في هذا المسار حادثة العامل الأمريكي فينياس غيج عام 1848، عندما اخترق قضيب حديدي جمجمته خلال عمله في السكك الحديدية. وعلى الرغم من نجاته، لاحظ المحيطون به تغيرات كبيرة في شخصيته وسلوكه، ما أثار اهتمام الباحثين بالعلاقة بين مناطق الدماغ والصفات الشخصية.
وبعد ذلك بنحو 13 عاما، درس الطبيب والجراح الفرنسي بول بروكا حالات مرضى فقدوا القدرة على الكلام، وقارن بين الأعراض التي ظهرت عليهم ومناطق التلف في أدمغتهم بعد الوفاة. وأسهمت أبحاثه في ربط إنتاج الكلام بمنطقة محددة في المخ، لتشكل إحدى المحطات المهمة في فهم التخصص الوظيفي للمناطق الدماغية.
ومع تطور المجاهر وأساليب فحص الأنسجة، تعمقت معرفة العلماء ببنية الجهاز العصبي. وفي عام 1906، تقاسم الإيطالي كاميلو غولجي والإسباني سانتياغو رامون إي كاخال جائزة نوبل تقديرا لأعمالهما التي كشفت جوانب أساسية من تركيب الخلايا العصبية وتنظيمها.
وفي منتصف القرن العشرين، انتقل البحث إلى مرحلة أكثر مباشرة، عندما استخدم جراح الأعصاب الكندي وايلدر بنفيلد أقطابا كهربائية لتحفيز مناطق من قشرة الدماغ لدى مرضى الصرع وهم مستيقظون. وأدى تحفيز بعض المناطق إلى استدعاء ذكريات لدى المرضى، بينما ارتبط تحفيز مناطق أخرى بسماع نغمات أو الإحساس بتجارب مختلفة.
ورغم أهمية هذه الاكتشافات، ظلت هناك مشكلة أساسية تحد من قدرة العلماء على تفسير عمل الدماغ. فقد تمكنوا من تحديد مناطق ترتبط بوظائف معينة، لكنهم لم يستطيعوا دائما معرفة الخلايا الدقيقة المسؤولة عن تلك الوظائف، خصوصا أن خلايا متجاورة داخل المنطقة نفسها قد تؤدي أدوارا مختلفة تماما.
معضلة السببية في علم الأعصاب
تمثلت إحدى أكبر العقبات أمام أبحاث الدماغ في إثبات العلاقة السببية بين نشاط الخلايا العصبية والسلوك. فملاحظة نشاط خلية أثناء شعور الحيوان بالخوف لا تعني بالضرورة أن هذه الخلية هي التي تولد الخوف؛ فقد يكون نشاطها مجرد استجابة مرافقة للعملية، وليس عنصرا أساسيا في حدوثها.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى أدوات تسمح للباحثين بالتدخل في نشاط نوع محدد من الخلايا، مع إبقاء بقية الخلايا والدوائر العصبية في حالة قريبة من طبيعتها. وقد شبّهت لجنة نوبل صورة الدماغ التي امتلكها العلماء خلال القرن العشرين بصورة فوتوغرافية ضبابية، إذ كانت تكشف الملامح العامة من دون إظهار التفاصيل اللازمة لفهم الآليات الدقيقة.
وكان عالم الأحياء الجزيئية البريطاني فرانسيس كريك، أحد مكتشفي البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي عام 1953، من بين العلماء الذين أدركوا أهمية هذه المشكلة. فبعد انتقال اهتمامه في سنواته اللاحقة إلى دراسة الوعي والدماغ، دعا عام 1979 إلى تطوير وسيلة تستطيع تعطيل نوع واحد من الخلايا العصبية من دون التأثير بصورة كبيرة في الخلايا الأخرى.
وفي مقال نشره عام 1999 بعنوان «أثر البيولوجيا الجزيئية في علم الأعصاب»، طرح كريك الضوء باعتباره أداة مثالية محتملة للتحكم في نشاط الخلايا، نظرا إلى سرعته وقدرته على توفير تحفيز مضبوط زمنيا. لكنه أقر بأن تطبيق هذه الفكرة يبدو بعيد المنال، في إشارة إلى التحديات التقنية والعلمية التي كانت تحول دون تنفيذها آنذاك.
لم يكن كريك يعلم أن الطبيعة تحمل بالفعل جزءا أساسيا من الحل الذي يبحث عنه، داخل كائنات دقيقة وحيدة الخلية تطورت لديها بروتينات تستجيب للضوء. وقد مهد اكتشاف هذه البروتينات وفهم آلية عملها الطريق أمام ظهور علم البصريات الوراثية، الذي يجمع بين علم الوراثة والضوء للتحكم في نشاط خلايا محددة ودراسة وظائفها.
وبذلك انتقل علم الأعصاب من مرحلة رصد الارتباطات بين نشاط الدماغ والسلوك إلى مرحلة اختبار العلاقات السببية بصورة أكثر دقة، فاتحا آفاقا جديدة لفهم الذاكرة والخوف والانفعالات، واستكشاف كيفية تشكل التجارب الذهنية داخل الشبكات العصبية.







