اقتصاد

تركيا تفرض “التحقق الإلكتروني” لإعادة ضبط سوق العقارات وتعزيز الشفافية

في خطوة تستهدف إعادة الانضباط إلى سوق العقارات الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تقلبات حادة وممارسات مضاربة واسعة، بدأت السلطات التركية مطلع العام الجاري تطبيق حزمة من القوانين والإجراءات التنظيمية الصارمة لإصلاح القطاع.

وجاءت هذه التحركات بعد موجة ارتفاعات سعرية غير مسبوقة، رافقتها حالة من العشوائية في عمليات البيع والشراء، ما دفع الحكومة إلى تبني أدوات تشريعية ورقمية متقدمة تهدف إلى إحكام الرقابة وتعزيز الشفافية دون المساس بجاذبية السوق الاستثمارية.

إطلاق نظام التحقق الإلكتروني

في صدارة هذه الإجراءات، أطلقت وزارة التجارة التركية نظام “التحقق الإلكتروني” لإعلانات العقارات، والذي دخل حيز التنفيذ الإلزامي في عموم البلاد اعتبارا من 15 فبراير/شباط الجاري، بعد مرحلة تطبيق تدريجي بدأت بإعلانات الإيجار مطلع العام الماضي.

وسبق التعميم الكامل مرحلة تجريبية في مدن إزمير وأنطاليا وسيواس، لاختبار الجاهزية التقنية ومعالجة الثغرات المحتملة، تمهيدا لاعتماد النظام على المستوى الوطني.

لا إعلان دون إثبات ملكية

بموجب اللوائح الجديدة، لا يُسمح بنشر أي إعلان لبيع عقار على المنصات الإلكترونية ما لم يتم توثيق الملكية فعليا عبر بوابة الحكومة الإلكترونية (E-Devlet). ويحق للمالك تفويض مكتب عقاري مرخص لنشر الإعلان نيابة عنه، على أن يتم التفويض عبر النظام الرسمي لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، مع إمكانية التمديد أو الإلغاء إلكترونيا.

ويقتصر حق نشر الإعلانات على المالك نفسه، أو أقاربه من الدرجتين الأولى والثانية، أو الوسطاء العقاريين المرخصين الحاصلين على تفويض موثق. كما ستُميَّز الإعلانات المستوفية للشروط بشارة إلكترونية تفيد بالتحقق من الترخيص عبر النظام الحكومي، بما يوفر ضمانة قانونية للمشترين.

ويستهدف هذا الإجراء القضاء على ظاهرة الإعلانات الوهمية، خاصة تلك التي كانت تستدرج الأجانب بعروض غير موجودة فعليا، قبل توجيههم إلى بدائل بأسعار أعلى.

عقوبات رادعة للمخالفين

توعدت الوزارة بفرض غرامات تصل إلى 100 ألف ليرة تركية على كل إعلان مخالف، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار، وقد تمتد المسؤولية إلى المنصات الإلكترونية التي تسمح بنشر بيانات غير موثقة.

تحصين السوق بعد الزلزال

يرى الباحث الاقتصادي أوركون باير أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة تنظيم السوق بعد تداعيات زلزال 6 فبراير/شباط 2023، الذي تسبب في أضرار واسعة بالمخزون السكني وأدى إلى موجة نزوح داخلي رفعت الطلب في المدن الكبرى.

وأوضح أن الارتفاع المفاجئ في الطلب، بالتوازي مع معدلات التضخم المرتفعة، جعل السوق عرضة لمضاربات حادة، ما استدعى تدخلا تنظيميا يضبط بيئة المعلومات دون فرض تسعير مباشر.

ويؤكد أن النظام الجديد لا يحدد أسعار العقارات، بل ينظم الإطار المعلوماتي الذي تُبنى عليه، ما يحد من تكوّن الفقاعات السعرية ويعزز التوقعات العقلانية لدى المتعاملين.

تعزيز ثقة المستثمر الأجنبي

من جانبه، يعتبر المستشار العقاري راتب زياد القديسي أن التحول الرقمي يمثل نقلة نوعية نحو رفع مستوى الشفافية وترسيخ ثقة المستثمرين الأجانب.

وأشار إلى أن ربط الإعلانات بالبيانات الحكومية يسهم في تصفية السوق من الممارسات غير المنظمة التي أثرت سلبا على سمعة القطاع، مؤكدا أن المستثمر الأجنبي يبحث بالدرجة الأولى عن بيئة قانونية واضحة تضمن حماية حقوقه.

كما يرى أن النظام يسهم في تقليص حجم السوق الموازي، ما يعزز كفاءة التحصيل الضريبي ويرفع مستوى الاحترافية داخل القطاع.

ورغم التحديات الأولية التي قد تواجه بعض المكاتب الصغيرة، يُرجح أن ينعكس التطبيق الكامل للنظام إيجابا على المدى المتوسط، عبر بقاء الشركات الجادة والمستثمرين الحقيقيين فقط، بما يعزز استقرار السوق العقارية التركية ويضعها على مسار أكثر تنظيما واستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى