بين رسالة واتساب وعيادة الطفل: كيف يصنع الخوف موقفًا من اللقاحات؟

في مساء هادئ، تفتح أم مجموعة العائلة على واتساب، فتجد رسالة صوتية معاد توجيهها: صوت مرتجف يحذر من طفل “توفي بعد ساعات من لقاح روتيني”، ورابط آخر من مقطع على تيك توك يدّعي أن اللقاحات تسبب العقم. خلال دقائق، يتحول القلق إلى نقاش محتدم. وفي اليوم التالي، يقف بعض الآباء أمام باب العيادة مترددين؛ لا بسبب دراسة علمية، بل تحت وطأة خوف متراكم.
رغم أن اللقاحات تُعد من أنجح أدوات الطب الحديث، وقد أسهمت في القضاء على أمراض فتاكة مثل الجدري وخفضت وفيات الأطفال عالميًا، فإن الشكوك تتزايد في مجتمعات عدة، مدفوعة بمزيج من وسائل التواصل، والاستقطاب السياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات. وبين الحذر المشروع والذعر المُقعِد مساحة هشّة يحاول فيها العلم أن يرفع صوته وسط ضجيج المشاعر.
كيف تتكوّن المخاوف غير المستندة إلى أساس؟
البشر لا يقيسون المخاطر بلغة الأرقام وحدها، بل بالقصص والصور والانطباعات. هنا يعمل ما يسميه علماء النفس “تحيّز الإتاحة”: الحدث النادر والمشحون عاطفيًا يرسخ في الذاكرة، فيبدو أكثر شيوعًا مما هو عليه. فيديو لشخص يُغمى عليه بعد التطعيم قد يطغى على ملايين الجرعات الآمنة التي لا تُصوَّر.
كما أن منصات التواصل تكافئ المحتوى المثير للغضب أو الصدمة، فتنتشر الادعاءات المبسطة بسرعة تفوق الشروحات الطبية المعقدة. عبارات مثل “اللقاح يغيّر حمضك النووي” أو “الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها” تجد طريقها إلى الانتشار أسرع من تقارير السلامة المفصلة.
تتداخل أيضًا منظومات فكرية ترى في “الطبيعي” قيمة أخلاقية عليا، وتصور اللقاحات كمنتج صناعي غريب، خاصة عندما يقترن ذلك بعدم ثقة بشركات الأدوية أو الحكومات. وفي أوقات الأزمات الصحية أو السياسية، تزداد الحاجة إلى تفسيرات بسيطة وأطراف يُلقى عليها اللوم، فتغدو نظريات المؤامرة أكثر جاذبية لأنها تمنح شعورًا بالسيطرة وسط الفوضى.
بين التطوير الطويل وطب الكوارث
في الظروف العادية، يستغرق تطوير لقاح سنوات من البحث والتجارب السريرية متعددة المراحل، يليها تقييم تنظيمي صارم ورقابة مستمرة بعد الطرح. هذه العملية ليست بيروقراطية زائدة، بل شبكة أمان لحماية الناس.
لكن خلال الجوائح، كما حدث في جائحة كوفيد-19، يُطبَّق منطق “طب الكوارث”، حيث تُدمج بعض المراحل وتُخصّص موارد ضخمة لتسريع العمل دون إلغاء معايير السلامة. السؤال هنا لا يكون: هل المخاطر صفر؟ بل: هل المخاطر المحتملة أقل بكثير من مخاطر ترك المرض ينتشر بلا حماية؟ فهم هذا الفرق ضروري لتفسير السرعة الاستثنائية دون تحويلها إلى دليل إهمال أو تآمر.
متى يكون الشك صحيًا؟
العلم قائم على الشك المنهجي. من حق أي شخص أن يسأل: كيف اختُبر اللقاح؟ ما آثاره الجانبية؟ كيف تُراقب سلامته؟ هذه أسئلة مشروعة.
الفرق الجوهري يظهر حين يتحول الشك إلى منظومة مغلقة تفترض سوء النية الدائم، وتعيد تفسير أي دليل مخالف باعتباره جزءًا من “التستر”. هنا ينتقل النقاش من تقييم الأدلة إلى الطعن في وجودها أصلًا.
خلال جائحة كورونا، تغيرت توصيات كثيرة مع تطور البيانات. رآها البعض تناقضًا، لكنها في الواقع كانت انعكاسًا لطبيعة العلم المتغيرة. الشفافية بشأن عدم اليقين، والاعتراف بالأخطاء، يعززان الثقة أكثر مما يضعفانها.
عندما يعيد الخوف تشكيل صحة المجتمع
تراجع معدلات التطعيم في عدة دول أدى إلى عودة أمراض كانت شبه مختفية، مثل الحصبة. هذه الأمراض لا تهدد فقط غير المطعمين، بل أيضًا الرضع وذوي المناعة الضعيفة الذين يعتمدون على “مناعة المجتمع”.
كما أن انخفاض الإقبال على اللقاحات يضغط على الأنظمة الصحية، ويرفع معدلات الاستشفاء، ويزاحم علاج أمراض أخرى. وتزداد المشكلة تعقيدًا حين يتحول التطعيم إلى رمز انتماء سياسي، فيتراجع النقاش العلمي لصالح الشعارات.
تصف جهات صحية دولية كبرى المعلومات المضللة حول اللقاحات بأنها تهديد للصحة العامة لا يقل خطورة عن الأمراض نفسها، لأنها تقوّض الثقة التي يقوم عليها أي نظام صحي فعال.
كيف نحمي العلم والناس؟
الحل لا يكون بتوبيخ المترددين، بل بإعادة بناء الثقة. على المستوى الفردي، يمكن التمهل قبل مشاركة رسالة مثيرة للذعر، وسؤال: من المصدر؟ هل تؤيده جهات مستقلة؟
ينبغي أن يجد الناس مساحة آمنة لطرح أسئلتهم على مهنيي الصحة، وأن يتلقى العاملون في القطاع تدريبًا على الحوار المتعاطف، لا الاكتفاء بالأوامر. كما أن إشراك قيادات مجتمعية محلية يمنح الرسائل الصحية صدقية أكبر.
الإعلام مسؤول عن وضع المخاطر في سياقها الحقيقي، لا تضخيم النادر أو مساواة الرأي الهامشي بالإجماع العلمي. أما منصات التواصل، فرغم دورها في نشر الشائعات، يمكن أن تكون أداة فعالة لنشر معلومات موثوقة إذا أُحسن استخدامها.
في النهاية، الثقة باللقاحات ترتبط بالثقة بالنظام الصحي ككل. الشفافية، والاعتراف بالأخطاء، والاستثمار في رعاية صحية عادلة، هي الأرضية التي تسمح للعلم بأن يُسمع صوته.
في مجموعة العائلة ذاتها، يمكن أن تسير القصة في اتجاه مختلف: طبيب يشرح بهدوء، رابط من جهة صحية موثوقة، أسئلة تُطرح دون سخرية، وإجابات بلا استعلاء. الخوف لن يختفي من الطبيعة البشرية، لكن يمكن توجيهه ليصبح دافعًا للمعرفة لا بوابة للضباب.







