القصيدة العمودية الجزائرية: عودة “الخليلية” وتجديد الرؤية الشعرية

ولدت المدونة الشعرية الجزائرية في رحم المقاومة، حيث واكبت الثورات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، ثم استمرت في دعم الحركة الوطنية، وصولاً إلى ثورة التحرير الوطني في خمسينيات القرن العشرين، ما ربطها عضوياً بقيم الحرية والانعتاق وقضايا الإنسان.
بعد الاستقلال عام 1962، انتقلت الروح الثورية من الخطاب المباشر إلى مستوى المعمار الفني واللغة الجمالية، فظهر جيل جديد من الشعراء يميل إلى التجديد ويعتمد أدواته الفنية الخاصة، رغم تحفظات أنصار “الذائقة القديمة”.
عودة القصيدة العمودية “الخليلية”
في العقدين الأخيرين، شهدت الساحة الشعرية الجزائرية عودة قوية للقصيدة العمودية، المعروفة بـ”الخليلية”، بين الشعراء الشباب. هذه العودة لا تُفسّر فقط برغبة التمسك بالموروث الكلاسيكي، بل تتأثر بعدة عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية.
وفق سجلات الجوائز الأدبية الوطنية، تسيطر القصيدة العمودية على المراتب الأولى، حيث تفوق فوزها في أغلب الدورات، ويُعتبر فوز قصيدة نثرية بالمركز الثاني استثناءً نادراً. ويُعزى ذلك أساساً إلى كثرة المشاركات العمودية التي تمثل أكثر من ثلثي الأعمال المقدمة.
السياقات النفسية والاجتماعية
يرى الباحث في علم الاجتماع الثقافي محمد بن زيان أن عودة العمودية لا تُختزل في عامل واحد. فهناك عوامل مرتبطة بالمنابر والمسابقات الشعرية، التي غالباً ما تشترط العمودية، إضافة إلى الدوافع الفردية للشعراء الراغبين في بناء تجربة شعرية متينة عبر اتقان القالب الكلاسيكي قبل التجريب بأساليب حديثة.
كما أن هذه الظاهرة تمثل أحد وجوه “تخبطات الحداثة”، حيث يبحث الجيل الجديد عن مرجعية تراثية لتعزيز هويته الشعرية، مع الاحتفاظ بقدرة التجديد والتطور.
الصدى المشرقي وتأثيره
بالرغم من التوجه نحو العمودية، يشير بن زيان إلى أن الشعر الجزائري لا يزال متأثراً جزئياً بالنماذج المشرقية، سواء في الرموز أو الرمزية الأسطورية، ما قد يقلل من خصوصية النصوص ويؤثر على عمق التعبير المحلي.
تجربة الشعراء الشباب
الشاعر هارون عمري، أحد أبرز رواد هذه الموجة، يؤكد أن العمودية ليست مجرد شكل وزني، بل “موقف ورؤية في الكتابة”. يوضح أن تجربته بدأت بالعمودي ثم توسعت إلى التفعيلة والنصوص المفتوحة، مما منحه مرونة في العودة للعمود بأسلوب مغاير، مع معالجة القضايا المعاصرة وصهر التجربة الإنسانية الحديثة داخل النظام الفني للقصيدة.
من جهته، الشاعر جلال قصابي يرى أن العمودية تمثل صورة ناضجة للشعر العربي، واحتفاظ الجيل الجديد بهذا الشكل يعكس فهمه لأهمية الموسيقى الشعرية وتأثيرها على القارئ، مع المحافظة على هوية النصوص مع التحديث اللغوي والمضامين المعاصرة.
دور المهرجانات والتكريس
أطلقت وزارة الثقافة والفنون المهرجان الثقافي العربي للشعر الكلاسيكي ببسكرة في 2015، ليصبح منصة للشباب لتطوير مهاراتهم، وفق ما يؤكد الباحث أحمد دلباني. ويشير إلى أن تسمية القصيدة بـ”الخليلية” أفضل من “العمودية”، لأن المفهوم أوسع ويشمل البنية الشعرية الكاملة.
ويضيف دلباني أن تصدر العمودية للمشهد الشبابي يربك مفاهيم التحديث السابقة، حيث التنافس أصبح على الصنعة والإتقان الفني أكثر من كونه على الإبداع الخالص. ويرى أن المهرجان يسعى لإيجاد مساحة للتعددية الجمالية وتفادي الأحادية، ليعكس حراكاً إبداعياً حقيقياً.
خلاصة
تُظهر التجربة الجزائرية أن القصيدة العمودية لا تزال حية وقادرة على التطور، وأن العودة إليها من قبل الشباب ليست مجرد استعادة تقليد قديم، بل محاولة لبناء هوية شعرية متجددة، تجمع بين التراث والحداثة، بين الإتقان الفني والانفتاح على قضايا العصر، مع الحفاظ على صدى محلي خاص بعيداً عن التقليد الأعمى للمشرق.







