أزمة الديون الفرنسية تتفاقم.. عوائد السندات عند أعلى مستوى منذ عام 2002

تواجه فرنسا تصاعدا في أزمة ديونها السيادية، وسط موجة بيع واسعة لسندات الخزانة وتراجع ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على تقليص عجز الموازنة واحتواء الدين العام. وتزداد الضغوط بفعل ارتفاع التضخم والانقسام السياسي، إلى جانب تزايد تكاليف الاقتراض والإنفاق الحكومي.
وارتفعت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.9% في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002. كما تجاوز الفارق بينها وبين عوائد السندات الألمانية المماثلة، التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها أكثر أمانا، 1.2 نقطة مئوية، مسجلا أعلى مستوى منذ عام 2012، وفقا لبيانات بلومبيرغ.
موازنة 2027 تزيد المخاوف
تزايدت المخاوف بشأن الوضع المالي الفرنسي عقب تقديم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مشروع موازنة عام 2027، الذي يتوقع عجزا يعادل 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 5.1% خلال العام الجاري.
وتتضمن الخطة تجميد أي زيادة في أجور موظفي القطاع العام وفرض ضرائب إضافية، في محاولة لاحتواء الإنفاق وتحسين الإيرادات. وكان لوكورنو يستهدف خفض العجز إلى نحو 5%، لكنه لم يتمكن من بلوغ هذا المستوى.
وكان رئيس الوزراء يسعى إلى تقليص عجز الموازنة بنحو 54 مليار يورو، أي ما يعادل قرابة 60 مليار دولار، غير أن خطته تواجه احتمال معارضة برلمانية شديدة، خصوصا من الأحزاب التي تطالب برحيل الرئيس إيمانويل ماكرون.
انتقادات للخطة المالية
انتقد المجلس الأعلى للمالية العامة، المكلف بتقييم الخطط المالية للحكومة، مشروع الموازنة، معتبرا أن الإجراءات المقترحة للحد من العجز محدودة ولا تكفي لمعالجة تراكم الديون، وداعيا إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية.
وأثارت هذه الانتقادات مخاوف إضافية لدى المستثمرين، الذين بدأوا يطالبون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، في ظل استمرار العجز الكبير وعدم وضوح قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات مالية مستدامة.
وقالت ماري جاكوت، المديرة التنفيذية لشركة «إدموند دي روتشيلد» لإدارة الأصول في فرنسا، إن الأسواق المالية بدأت تعاقب البلاد على مستوى ديونها الحالي، مشيرة إلى أن النظرة السلبية إلى المخاطر المرتبطة بالديون الفرنسية تتزايد بوتيرة ملحوظة.
من جانبها، أشارت صحيفة تلغراف البريطانية إلى أن بعض المستثمرين باتوا ينظرون إلى فرنسا باعتبارها «رجل أوروبا المريض» الجديد، في إشارة إلى تفاقم أزمتها المالية. وكان هذا الوصف قد ارتبط باليونان خلال أزمة ديونها السيادية التي بدأت عام 2010، واستدعت تدخلا من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي.
مؤشرات مقلقة بشأن الدين العام
تعكس البيانات الرسمية حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة الفرنسية، إذ بلغ إجمالي الدين العام نحو 3.59 تريليونات يورو، أي قرابة 4 تريليونات دولار، بنهاية يونيو/حزيران الماضي.
وتشمل أبرز المؤشرات المالية ما يلي:
- ارتفاع نسبة الدين: بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 119% في عام 2026، مقارنة بنحو 97.9% عام 2019.
- حجم الاقتصاد: وصل الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي إلى نحو 3.37 تريليونات دولار عام 2025، وفقا لبيانات البنك الدولي.
- تكاليف خدمة الدين: تستهلك أعباء الدين العام نحو 7% من موازنة الدولة، مع توقعات بتجاوز مدفوعات الفوائد 90 مليار يورو، أي نحو 101 مليار دولار، بحلول عام 2027.
- مقارنة بقطاع التعليم: تفوق تكاليف الفوائد المتوقعة المخصصات التي تخطط الحكومة لإنفاقها على التعليم، والبالغة 65.5 مليار يورو، أو ما يعادل 73 مليار دولار.
- إصدارات قياسية للسندات: تعتزم الخزينة الفرنسية إصدار أدوات دين بقيمة 340 مليار يورو، أي نحو 382 مليار دولار، خلال العام المقبل، بزيادة تبلغ 10% مقارنة بالعام الحالي.
- مقارنة بألمانيا: تقترب نسبة الدين السيادي الفرنسي إلى الناتج المحلي الإجمالي من ضعف النسبة المسجلة في ألمانيا.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام تحديات متزايدة، إذ إن ارتفاع الدين وتكاليف خدمته يحدان من قدرتها على توجيه الموارد نحو الخدمات العامة والاستثمارات، ويزيدان حساسية الموازنة لأي ارتفاع إضافي في أسعار الفائدة.
تكلفة المعيشة تعقد مهمة الحكومة
تأتي محاولات باريس خفض الإنفاق العام وزيادة الإيرادات الضريبية في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على الأسر الفرنسية، مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الطاقة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.
وامتدت آثار أزمة الطاقة إلى منطقة اليورو، حيث ارتفع معدل التضخم إلى 3.8% في سبتمبر/أيلول الماضي، متجاوزا التوقعات، وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات».
وبحسب بلومبيرغ، تجاوزت تكلفة خدمة الدين العام الفرنسي ما تنفقه الدولة على التعليم أو الصحة، فيما تثير احتمالات رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم مخاوف إضافية بشأن زيادة أعباء الاقتراض.
وتواجه الحكومة بذلك معضلة اقتصادية وسياسية في آن واحد؛ فهي تحتاج إلى إجراءات تقشفية للحد من العجز وتباطؤ نمو الدين، لكنها مطالبة أيضا بمراعاة أوضاع المواطنين الذين يواجهون ارتفاعا في أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
ويرى محللون أن الانقسام السياسي الحاد والخلافات بين الأحزاب بشأن إدارة المالية العامة يقلصان فرص التوصل إلى حلول سريعة، وقد يستمر هذا الوضع حتى الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
مقاومة الإصلاحات المالية
نقلت صحيفة تلغراف عن جون هاردي، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في بنك «ساكسو»، قوله إن المستثمرين ينتظرون من السياسيين الفرنسيين اتخاذ خطوات ملموسة لإصلاح الأوضاع المالية، لكنه أشار إلى أن الناخبين يعارضون كثيرا من الإصلاحات المقترحة.
وأوضح هاردي أن التجربة السياسية الفرنسية تظهر صعوبة إقناع الرأي العام بإجراءات تمس الامتيازات الاجتماعية، مثل رفع سن التقاعد، إذ غالبا ما تواجه مثل هذه الخطوات احتجاجات شعبية واسعة.
وتزيد هذه المقاومة من صعوبة تنفيذ إصلاحات مالية طويلة الأجل، خصوصا في ظل الانقسام داخل البرلمان وعدم وجود توافق واضح بشأن كيفية توزيع أعباء خفض العجز بين الضرائب والإنفاق العام.
وفي المقابل، تظل شبكة الأمان التي يوفرها البنك المركزي الأوروبي أحد العوامل التي تخفف مخاوف المستثمرين من تفاقم الأزمة. وينظر بعض المتعاملين إلى فرنسا باعتبارها دولة يصعب السماح بانهيارها ماليا، نظرا إلى مكانتها بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، وما قد يترتب على أي أزمة حادة فيها من تداعيات على بقية دول المنطقة.







