الأردن يترقب تطورات السويداء ويحذر من تصعيد عسكري يهدد استقرار جنوب سوريا

تثير التحذيرات السورية من احتمال تجدد المواجهات العسكرية في محافظة السويداء، جنوبي البلاد، تساؤلات بشأن استعدادات الأردن للتعامل مع أي تصعيد جديد قرب حدوده الشمالية، في ظل اتهامات دمشق لإسرائيل بدعم مجموعات مسلحة في المحافظة، وتقارير عن تحركات عسكرية إسرائيلية قد تزيد تعقيد المشهد الأمني والسياسي في الجنوب السوري.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، الذي يشترك مع سوريا في حدود طويلة، ويعد استقرار المناطق الجنوبية السورية جزءا أساسيا من أمنه الوطني. وفي هذا الإطار، تتحرك الدبلوماسية الأردنية بالتنسيق مع دمشق وواشنطن لتثبيت تفاهمات تحول دون انزلاق السويداء مجددا إلى المواجهات المسلحة.
مخاوف من تجدد المواجهات
نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية عن مسؤول في الحكومة السورية قوله إن دمشق تخشى استعداد جماعات مسلحة درزية لشن هجوم على القوات الحكومية خلال الأيام المقبلة، وسط اعتقاد مسؤولين سوريين بأن أي تحرك من هذا النوع قد يحظى بتشجيع ودعم إسرائيليين.
وبحسب المسؤول، أثارت تحركات الجماعات المسلحة قرب خطوط التماس، إلى جانب تصريحات شخصيات درزية بشأن احتمال إطلاق عملية لاستعادة قرى في المحافظة، مخاوف من اندلاع جولة جديدة من القتال.
وتحدث المسؤول أيضا عن تكثيف الاستطلاع الجوي الإسرائيلي فوق السويداء ودمشق ومناطق جنوب سوريا، مدعيا أن مروحية إسرائيلية هبطت في المحافظة وسلمت أسلحة وذخائر، وهي معلومات لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وتزامنت هذه المعطيات مع تقارير إعلامية سورية تحدثت عن نقل الجيش الإسرائيلي معدات عسكرية متطورة إلى قمة جبل الدروز، وسط حديث عن استعدادات محتملة لإنشاء قاعدة عسكرية مخصصة للمراقبة والاستخبارات والإنذار المبكر، من دون تأكيد مستقل لهذه التقارير.
وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قد حذر من استمرار ما وصفه بـ«النهج العدواني» الإسرائيلي في جنوب سوريا، مشيرا خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 إلى التوغلات الإسرائيلية المتكررة ومحاولات فرض وقائع جغرافية جديدة، بعضها يمس مصادر مائية حيوية.
وجدد الملك تحذيراته خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، مؤكدا وقوف الأردن إلى جانب سوريا في جهود تعزيز أمنها واستقرارها والحفاظ على سيادة أراضيها.
دعم سياسي لدمشق دون تدخل عسكري
تعكس المواقف الأردنية إدراكا لحساسية التطورات في السويداء، وما قد يترتب على اتساع المواجهات من تداعيات أمنية وسياسية تتجاوز الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، يستبعد الكاتب والمحلل السياسي الأردني فهد الخيطان اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في المحافظة خلال المرحلة الحالية، معتبرا أن أي جماعة درزية تفكر في استهداف دمشق ستواجه ردا عسكريا قويا قد يمنح القوات الحكومية السورية مبررا لشن هجوم على السويداء.
وقال الخيطان إن الأردن لن يتدخل في صراع عسكري داخلي سوري، لكنه سيدعم موقف دمشق سياسيا، وسيعمل بالتعاون مع المبعوث الأمريكي توم براك على منع أي تصعيد محتمل.
ويرى المحلل أن التطورات العسكرية الكبرى تظل مستبعدة قبل الانتخابات الإسرائيلية، في ظل ارتباط حسابات الأطراف المعنية بالتوقيت السياسي داخل إسرائيل.
وكانت أزمة السويداء قد شكلت اختبارا للموقف الأردني من مستقبل الدولة السورية، خصوصا مع تصاعد الدعوات الانفصالية التي أطلقتها أطراف محلية في المحافظة.
رفض فتح ممرات عبر الحدود
وبحسب مصدر رسمي أردني، رفضت عمّان بصورة قاطعة المطالبات بفتح ممر حدودي مباشر مع السويداء تحت ذرائع إنسانية، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل انتهاكا للسيادة السورية، وقد تفتح الباب أمام تكريس انفصال المحافظة عن الدولة.
وأضاف المصدر أن الأردن رفض أيضا محاولات إسرائيلية لفتح طريق التفافي عبر أراضيه لإيصال مساعدات إلى مجموعات في السويداء.
وأكد أن المملكة تحترم سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وترتبط بعلاقات جيدة مع الحكومة السورية، مشيرا إلى وجود تنسيق مباشر ويومي بين الجانبين على المستويات الشرطية والعسكرية والاستخباراتية، ولا سيما في الملفات المتعلقة بأمن الحدود والقضايا المشتركة.
ويعكس هذا التنسيق، وفق المصدر، حرص البلدين على تعزيز التعاون الأمني والتعامل مع التحديات المشتركة بما يحفظ أمنهما واستقرارهما، مع الالتزام باحترام سيادة كل دولة على أراضيها.
وشدد المصدر على أن أمن المملكة وسيادتها وسلامة حدودها تمثل «خطا أحمر لا يمكن تجاوزه»، مؤكدا أن الأردن لن يسمح بأي تحركات أو تهديدات تمس أمن حدوده أو تقترب منها على نحو يهدد أمنه الوطني.
وسبق للأردن أن نفذ ضربات جوية استباقية داخل الأراضي السورية استهدفت مواقع ومخابئ لمهربين وتجار مخدرات، في إطار مواجهة شبكات التهريب الناشطة قرب حدوده الشمالية، خصوصا في محافظتي السويداء ودرعا.
وعكست هذه العمليات تحولا في المقاربة الأمنية الأردنية، من الاكتفاء بإحباط محاولات التسلل والتهريب عند الحدود إلى استهداف مصادر التهديد داخل الأراضي السورية، بما يشير إلى اعتماد سياسة دفاعية استباقية عندما يتعلق الأمر بأمن المملكة وحدودها.
تنسيق أمني مباشر وتعاون إقليمي
تنسجم هذه المواقف مع تصريحات سابقة لوزير الداخلية الأردني مازن الفراية، أكد فيها وجود تعاون أمني يومي ومباشر مع الجانب السوري، يشمل مكافحة التهريب وحماية الحدود.
وأوضح الفراية أن الأردن يتعامل مع ملف السويداء من خلال مؤسسات الدولة السورية الرسمية، دون التدخل في شؤونها الداخلية.
وتخشى الأوساط الأردنية أن يؤدي تراجع سيطرة الدولة المركزية في الجنوب السوري إلى نشوء مناطق نفوذ لمجموعات مسلحة قرب الحدود، الأمر الذي قد يهدد الاستقرار ويزيد صعوبة ضبط التحركات غير المشروعة عبرها.
في المقابل، تواصل الحكومة السورية، وفق تصريحات مصدر حكومي نقلتها وكالة الأنباء السورية «سانا»، العمل بالشراكة مع الأردن والولايات المتحدة لتنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الرامية إلى إعادة إدماج السويداء ضمن الدولة السورية، مع ضمان حقوق السكان وتعزيز الأمن والاستقرار.
وأكد المصدر أن المكون الدرزي جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري، رافضا توظيف قضيته في الحسابات السياسية الإسرائيلية.







