الذكاء الاصطناعي بين وعود التحرير ومخاطر الإقطاع الرقمي

بينما تتعالى الوعود في أروقة وادي السيليكون وعلى منصات قمة الويب في الدوحة بأن الذكاء الاصطناعي سيحرر العقل البشري ويعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، يبرز في المقابل سؤال أخلاقي وجيوسياسي عميق: هل نحن أمام حضارة رقمية أكثر عدالة، أم بصدد ترسيخ نظام “إقطاع تكنولوجي” جديد تتكدس فيه الثروة في الشمال بينما يتحمل الجنوب الكلفة الخفية؟
البيانات.. النفط الجديد الذي لا يملكه أصحابه
في الثورات الصناعية السابقة كانت الأرض والموارد الطبيعية هي محور الاستنزاف، أما اليوم فأصبح السلوك البشري ذاته هو المادة الخام الأهم. فمليارات النقرات والصور والتسجيلات الصوتية الصادرة من مجتمعات أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط تتحول إلى مدخلات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التي تملكها شركات عابرة للقارات.
المفارقة أن القيمة الاقتصادية تُستخرج من هذه البيانات دون مقابل يُذكر، ثم تُعاد صياغتها في شكل تطبيقات ومنتجات ذكية تُباع لتلك المجتمعات بأسعار مرتفعة. وبهذا تتكرس تبعية رقمية تجعل الجنوب مستهلكًا لتقنيات لا يشارك في صنعها ولا يملك التأثير في تحيزاتها الثقافية أو أولوياتها المعرفية.
عمالة الظل.. البشر خلف واجهة الآلة
خلف الواجهة البراقة لتطبيقات مثل ChatGPT وGemini تقف جيوش من العاملين في دول نامية، يتولون تصنيف المحتوى وتنقيحه ومراجعة البيانات لتدريب الخوارزميات. هؤلاء يشكلون خط الدفاع الأول ضد المحتوى العنيف أو الصادم، وغالبًا ما يؤدون أعمالًا مرهقة نفسيًا مقابل أجور محدودة.
هذا الواقع يطرح إشكالية أخلاقية: هل يمكن الحديث عن ذكاء “اصطناعي” خالص، بينما يعتمد في جوهره على جهد بشري غير مرئي يتحمل أعباء نفسية واقتصادية كبيرة؟
الجغرافيا المادية للذكاء الاصطناعي
رغم توصيفه بأنه “سحابي”، فإن الذكاء الاصطناعي بنية مادية كثيفة الاستهلاك للموارد. فمراكز البيانات العملاقة تحتاج إلى كميات هائلة من المياه للتبريد، وإلى معادن نادرة تُستخرج غالبًا من مناطق تعاني هشاشة بيئية. وهكذا قد تعني إجابة فورية في عاصمة متقدمة ضغطًا إضافيًا على موارد طبيعية في منطقة أقل حظًا.
هذا البعد البيئي والاقتصادي كان حاضرًا في نقاشات قمة الويب بالدوحة، حيث برز مفهوم “السيادة الرقمية” بوصفه شرطًا أساسيًا لعدالة التحول التقني. فامتلاك البنية التحتية، وتوطين المعرفة، وحماية البيانات الوطنية، كلها عناصر تحول الذكاء الاصطناعي من أداة استهلاكية إلى مشروع تنموي حقيقي.
من الاستعمار الرقمي إلى الشراكة التكنولوجية
الذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتوما باللامساواة، بل يمكن أن يكون محركًا قويًا للنمو في مجالات الطب والزراعة والتعليم في دول الجنوب. غير أن تحقيق ذلك يتطلب إعادة صياغة القواعد المنظمة للبيانات، وتوزيع الأعباء البيئية بعدالة، والاعتراف بحقوق منتجي البيانات وعمال الظل.
إن الانتقال من منطق “الاستعمار الرقمي” إلى “الشراكة التكنولوجية” ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة لضمان استدامة الابتكار ذاته. وإلا فإن العالم قد يجد نفسه أمام جدار رقمي يفصل بين من يملكون مفاتيح الخوارزميات ومن لا يملكون سوى بياناتهم المستنزفة.







